آخر تحديث:09:32(بيروت)
الخميس 10/12/2020
share

علمانية لم تأخذ فرصتها

وجيه قانصو | الخميس 10/12/2020
شارك المقال :

الفوز الكاسح لتيارات ترفع شعار العلمانية من دون مواربة أو تسوية، في الانتخابات الطلابية في كبرى الجامعات الخاصة في لبنان، لاسيما الأميركية واليسوعية، أمر يستحق الوقوف عنده. هو مؤشر على تشكل مزاج شبابي جديد ينظر إلى الحياة العامة من منظور مختلف بل مناقض لما هو سائد في قواعد السلطة والتضامنات الاجتماعية وخطاب التعبئة والتحشيد الشعبيين. وهو بمثابة قطيعة مع رموز السلطة التي أوكل إليها مهمة حفظ الحقوق وحمايتها وانتزاعها من الآخرين، وانفصال عن المؤسسات الدينية والاجتماعية الممسكة بحق تعريف الهوية وتحديد ما يهددها وما يضمن سلامتها.

لطالما كانت العلمانية محل تهمة وريبة في المجال العربي، منذ أن نادى بها فرح أنطون أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، واعتبرها مدخلاً لتعميم الذهنية العلمية وأساس أي انتظام سياسي يقوم على قاعدة مدنية يرعى الحقوق ويحقق المساواة ويوفر موجبات الحرية.  كانت الاستجابة لمطلب فرح أنطون فاترة بل سلبية، في زمن وبيئة اعتقدت أن ماضيها وتراثها قادران على تمويلها بموجبات صمودها ونهوضها، وأن سيادة الدين وعموم أحكامه ليست شروط أمان أخلاقي وتماسك للمجتمع فحسب، بل تمثل منظومة عدالة تضاهي المنجز السياسي الغربي نفسه.

هذا الاتجاه استمر في صعوده وتعويم نفسه، ليتخذ أشكالاً راديكالية حادة في القرن العشرين، بعد أن تلازم حفظ الهوية مع القطيعة الفكرية والمعرفية للغرب، وراجت عبارات الغزو الثقافي والمستغربين،  وكاد الحديث عن العقلانية والتحديث وعلمانية السلطة يصنف بأنه من علامات العمالة والتنكر للأصالة والتراث.  وهي ممارسة حاصرت منابر التعبير المتنوع ومنعت التداول الحر للأفكار والمقولات.  وراجت مسلكية تضخيم  الهوية رغم تأزمها، وتمجيد التاريخ الخاص رغم تناقضاته.  فالاساس لم يكن للإجابة عما يمكن فعله وما هي سبل الخروج من المأزق التاريخي؟ بل كان للتعويض عن الجرح النرجسي الذي أحدثته صدمة الحداثة في الوعي العربي العام، لا لجهة أنها أظهرت تفوق الغربي وهيمنته فحسب، بل لجهة أنها كشفت عن حال الضعف والتخبط والعجز في التعامل الحكيم والمبتكر مع استحقاقات المنعطف التاريخي الحرج.

أنتج العقل العربي القومية، محبذا النموذج الألماني الذي يشبع حس التعالي الذاتي، ويسوغ تضخيم الهوية وتبجيلها بصياغات غيبية وميتافيزيقية بعيدا عن أي تأطير سياسي أو صلة بمفهوم الدولة. فكان أن   إستقر المشروع القومي على فكرة القائد المخلص ذي القدرات الاستثنائية، وعلى مبدأ الحزب الذي عمم أيديولوجية الطاعة القائمة على الرعب والخوف، وأسس سلطته  على سرديات أسطورية  وميتافيزيقيا تاريخية سوغت له ممارسة شتى صنوف الإكراه والقمع.

بموازاة هذا المنتج، كان الخيار السياسي الديني حاضراً بقوة، واستطاع تقديم نفسه نموذجاً بديلاً للقومية وللتحديث الغربي، لكنه كان دائماً مسلحاً ببدائل جاهزة لكل شيء ابتداء بالدولة مرورا بالقيم وانتهاء الفكر. وهي بدائل كانت مثابة اجتهادات رديئة وساذجة في تفسير النص الديني وفهم التجربة النبوية نفسها، لم تسهم سوى في تعميم ثقافة اللادولة، وقيم الغلبة والطاعة، والسلوك العنفي، وذهنية اليقين والحكم المسبق.

لا يطرح الدين نفسه بديلاً ، بل هنالك جهات وشخصيات تعتمد تأويلات وتفسيرات للدين، وتدعي تمثيلها الحصري له.  كما الدين، كذلك النصوص الدينية، فإنها  لا تنطق لوحدها بل تُستنطق، ولا تدلي بمعانيها من ذاتها بل يَظهرُ معناها بعد عملية قراءة يمارسها قُراء ومفسرون وفق ذهنية وسياق خاصين وأفق تاريخي محدد.   ما يعني أن الخيار ليس بين الدين واللادين، بل بين رؤية حول الدين ورؤية أخرى. أي إن معيار التفاضل ليس في صحة وخطأ الفهم، بل بين جودة وعمق وابتكار فهم وبين ضحالة وسطحية فهم آخر. الفهم فن وابتكار وليس التزاماً بقواعد ومباديء محددة مسبقاً.  

لم تأخذ العلمانية فرصتها الفعلية في المجال العربي، لا لجهة عدم اعتمادها نموذج حكم فحسب، بل لجهة أنها لم تُفهم وألصقت بها شتى النعوت المشوهة لحقيقتها، ولم تأخذ فرصتها في أن تعبر عن نفسها وتنتج حقيقتها التي تناسب خصوصية الواقع العربي.

باتت العلمانية حالياً الخيار الوحيد لانبثاق انتظام سياسي واجتماعي جديدين في العالم العربي عموماً، ولبنان خصوصاً، تنتفي في داخله السلطات الموروثة والولايات الحصرية، وتمنح المواطن بنحو الجهد الجمعي والحوار المفتوح: الحق والحرية في تنظيم شؤونه من دون وصاية أية جهة أومؤسسة أو مرجعية مهما كان مستوى رشادها أو درجة قدسيتها.

أن يتبنى تيارٌ شبابيٌ العلمانيةَ بهذا الوضوح والصراحة وحتى الجرأة، وفي ظل إستقطاب طائفي ومذهبي حاد، يعني أن لبنان يتحضر لفصول حياة جديدة أكثر تدفقاً وتوثباً، ينبثق منها إنسان آخر.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها