آخر تحديث:06:42(بيروت)
الإثنين 09/11/2020
share

مروان شربل وعقوبات باسيل

مهند الحاج علي | الإثنين 09/11/2020
شارك المقال :
مروان شربل وعقوبات باسيل
شهد الأسبوع الماضي حدثين على علاقة مباشرة بكشف طبيعة عمل الطبقة السياسية هنا. 

أولاً، اعترف وزير الداخلية السابق مروان شربل في حديث تلفزيوني، بدس مخربين في الاحتجاجات ضد السلطة في لبنان، لوسمها بالعنف وعرقلة مسارها. اعتبر الوزير السابق هذا الأسلوب "ذكاءً" من السلطة في مواجهة أعدائها. شربل رأى قاسماً مشتركاً بين العنف في الاحتجاجات الأخيرة من جهة، وبين الأسلوب الذي رآه وأشرف عليه في الداخلية. عملياً، لا تتورع السلطة عن زرع العنف في الاحتجاجات لسحب تأييد الشارع منها، ولا رادع قانونياً لمثل هذا السلوك. هو مشروع، طبعاً بضمانة التعيينات السياسية في القضاء وانعكاساتها على العدالة. في لبنان، من يُعين وزير المالية هو نفسه من يُعين المدعي العام المالي، على وزن القاعدة الشهيرة لـ"المتنبي"، فيك الخصام وأنت الخصم والحكم.

زلة لسان شربل لا يُعتد بها، لجهة أن الاعتماد على اعتراف المسؤولين اللبنانيين للإمساك بالأدلة، ليس في محله. بإمكان المسؤول اللبناني أن يخرج على العلن والاعتراف صراحة بنهب المال العام، وقد حصلت أكثر من مرة، لكن أحداً لن يُوفر تفاصيل ووثائق اعتراف دامغة. المعلومات محظورة، وهناك خطوط حمراء يعرفها المسؤولون جيداً. تخيلوا مثلاً أن آلان بيفاني المدير العام السابق لوزارة المالية استقال من منصبه، وغادر الى باريس دون أن يكشف ملف فساد واحداً، وهو الملم بتفاصيل ما يجري في هذه الوزارة وغيرها أيضاً.

لا يحمل أحد من هؤلاء مسؤولية عامّة تدفعه الى إطلاع الناس على ما يحصل. الناس تعرف بأن هناك فساداً في إدارات الدولة، لكن هذه المعرفة لم تتحول مرة واحدة إلى فهم متكامل وبالأدلة لما يحصل. والانتقال من المعرفة بالفساد كسمة عامة، إلى كشفه بالأدلة، هو عملية ضرورية لإعادة تكوين الوعي العام هنا.

تُهمة الفساد تُرمى بالعادة على الطرف الآخر في إطار السجال الطائفي، ومن الصعب ترسيخها كوعي عام يُحتسب ضد الزعيم من دون أدلة. لكن هذا الواقع قابل للتغيير في حال تحول الفساد الى معرفة عامة، من خلال كشف مساره، من جيوب الناس، إلى حسابات مالية في الخارج تُموّل حياة فارهة فيما يقبع الملايين في فقر مدقع.

الحدث الثاني هو إعلان العقوبات على وزير الخارجية السابق جبران باسيل، رئيس "التيار الوطني الحر".  ذاك أن من الواضح اجراء وزارة الخزانة وقبلها الخارجية تحقيقاً في مسار الأموال المرتبطة بهذا المسؤول اللبناني، إذ ورد في النص الأميركي اتهام صريح بنقل أموال مشاريع لوزارة الطاقة إلى أفراد مقربين منه عبر شركات واجهة. وهذا اتهام محدد، ومن حق الشعب اللبناني، لا الرئيس وحده (وهو أصدر طلباً في هذا الخصوص)، الحصول على الأدلة في هذا الشأن، ومعرفة أسماء هؤلاء المقربين، سيما أن هذه وزارة مسؤولة عن إنفاق مليارات الدولارات من المال العام دون توفير الكهرباء بشكل كامل. كما أن أدلة كل تهم الفساد، منقوصة، وتدل إما على براءة يشك فيها كثيرون، أو أسلوب مُعقد ومُحترف في تحويل العمولات واخفائها.

وتُردد الأوساط الإعلامية والسياسية الغربية معلومة مفادها أن السلطات الفرنسية حققت في مسار أموال الفساد وتحتفظ بمعلومات ووثائق في هذا الشأن. لكن ربما للجانب الفرنسي مصلحة في عدم سلوك طريق الفضائح، حتى التأكد من فشل المبادرة التي تُنازع حالياً. وأي عقوبات فرنسية لاحقاً ستُبنى على مثل هذه الأدلة.

والإدارة الأميركية أيضاً ليست معنية بمكافحة الفساد بشكل منفصل عن السياسة، بقدر تركيزها على استهداف حلفاء "حزب الله" في سياق حربها عليه وعلى إيران. لهذا، تخدم العقوبات غرضاً سياسياً مُحدداً، ولا يُتوقع أن يحصل الشعب اللبناني على شفافية يستحقها في ظل الظروف التي يعيشها.

لكن هذا الموقف ليس ثابتاً، نظراً لضعف وترهل الطبقة السياسية الحالية. وربما، مع بعض الضغوط من خلال الجاليات اللبنانية الناشطة في الخارج، بالإمكان كشف بعض ذيول الفساد وأساليبه بما يفتح الباب أمام المطالبة بالمحاسبة، وربما حصول بعض المتضررين من السياسات المالية على تعويضات من أموال المسؤولين الفاسدين في الخارج.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب