آخر تحديث:06:26(بيروت)
السبت 07/11/2020
share

روسيا - أميركا بعد الإنتخابات

بسام مقداد | السبت 07/11/2020
شارك المقال :
روسيا - أميركا بعد الإنتخابات
روسيا في طليعة بلدان العالم المعنية بالإنتخابات الأميركية ونتائجها ، وليس فقط  لأن إتهامها من قبل الأميركيين بالتدخل في هذه الإنتخابات يلاحقها دائماً ، بل لأن العداء لأميركا والغرب يشكل أبرز ركائز سلوك قيادتها حيال الداخل والخارج . ويتندر الروس في ما بينهم بالقول ، بأن إنتخابات الرئاسة الأميركية هي أحد أهم الأحداث في السياسة الداخلية الروسية ، حسب مركز كارنغي "Carnegie" موسكو . القيادة الروسية  جعلت من العداء لأميركا والغرب الخبز اليومي ، الذي تطعمه الروس ، وتدسه في كل مقارباتها للقضايا السياسية والإجتماعية والثقافية الخارجية . ولم تدع فرصة الإنتخابات الأميركية تفلت منها لتعميق مشاعر العداء هذا لدى العامة ، وليس لدى النخب الروسية، بل رأت فيها عملية منافسة بين المرشحين لمن يكره روسيا أكثر ، وتحولت هذه الكراهية إلى عامل ثابت في جميع عمليات الإنتخاب الأميركية ، على قول الناطق الرسمي باسم الكرملين ديمتري بيسكوف في تعليقه على المناظرة الأخيرة قبل الإنتخابات بين المرشحين للرئاسة الأميركية ، كما نقل عنه موقع المجمع الإعلامي الروسي الكبير "RBK" .

الناطقة الرسمية بإسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أملت في أن يسود التعقل في الولايات المتحدة بعد الإنتخابات ، ويدركوا أن مواصلة الرهان على بث الأساطير المعادية لروسيا "لا يضر بنا نحن ، بقدر ما يساعد على تأجيج المشاعر السياسية ، وتعميق أجواء عدم الثقة داخل المجتمع الأميركي عينه" ، حسب الصحيفة الرسمية للحكومة الروسية "RG" . ورأت زاخاروفا ، أن أعمال الولايات المتحدة تحمل منذ زمن بعيد طابعاً غير بنّاء ، خاصة في ما يتعلق بنشر منظومات الدفاع المضادة للصواريخ ، وانهيار معاهدة إزالة الصواريخ متوسطة المدى ، وتمديد معاهدة الحد من إنتشار الأسلحة الإستراتيجية .

الكرملين بدوره لم يتوان عن إتهام عملية فرز الأصوات في الإنتخابات الأميركية ، بالتأثير السلبي في الشؤون الدولية ، وخاصة في الإقتصاد العالمي . فقد نقلت وكالة نوفوستي عن الناطق باسم الكرملين قوله ، بأن أي ارتباك (عملية فرز الأصوات الطويلة في الإنتخابات الأميركية)  في الإقتصاد الأقوى في العالم، في إحدى أكبر دول العالم ، سوف يكون له تأثير سلبي محتمل في الشؤون الدولية ، وبالدرجة الأولى في الإقتصاد لعالمي ، ولا يدري أحد كم سيدوم هذا الإرتباك ، وكم سيكون تأثيره قوياً ، كما نقلت نوفوستي .

رئيس مجلس الدوما فيتشسلاف فالودين نزع عن الإنتخابات الأميركية صفة الديموقراطية ، ورأى بأنها مجرد عراضة (show) . فقد نقلت عنه وكالة "Eadily" الإخبارية الروسية قوله "أجل هذه العراضة يسمونها نموجاً للديموقراطية . بل وأكثر من ذلك  ، يقترحون إعتبارها معياراً   للديموقراطية ." ويرى فالودين  أن النظام الروسي أقرب بكثير إلى المبادئ الديموقراطية : أولاً ، لأن النظام في روسيا متعدد الأحزاب ، وليس ثنائي الأحزاب ؛ ثانياً ، الروس ينتخبون الرئيس مباشرة بأنفسهم ، أما في الولايات المتحدة فينتخبه مندوبو الولايات . وكل ما نراه على الشاشات ، ليس سوى عراضة منظمة من قبل حزبين ، تقف وراءهما نخب تقاتل كل منها من أجل مرشحها. 

موقف رئيس مجلس الدوما هذا من الإنتخابات الأميركية ، ونزع صفة الديموقراطية عنها ، يعكس الوجه الآخر لعداء القيادة الروسية للغرب ، والمتمثل في العداء للديموقراطية ، ومحاولة إبتداع "نسخة روسية" لها، مرة بإسم "الديموقراطية السيادية" ومرة بإسم "الديموقراطية الموجهة" . ويمثل فالودين توجهاً روسياً عاماً للتقليل من شأن ديموقراطية الإنتخابات الأميركية واستغلال صعوباتها ، ودعوة الكرملين إلى عدم الرهان على أي من المرشحين لتحسين العلاقة المتوترة بين البلدين . المستشرق والبوليتولوغ الروسي يفغيني ساتانوفسكي المعروف بلسانه السليط وفجاجة تعابيره ، تحدث لصحيفة الكومسوملسكايا برافدا المخضرمة عن "تداعيات الإنتخابات في الولايات المتحدة على روسيا" . يقول ساتانوفسكي ، بأن هذه الإنتخابات هي بالنسبة لروسيا "كما سباق الكلاب" ، إذ لافرق إن "خنق بايدن ترامب ، أو أطاح ترامب بايدن ، فما الفرق بالنسبة لنا ؟" . فإذا إنتصر الديموقراطيون ورتبوا علاقاتهم مع الصين ، سوف يستديرون بعد ذلك نحو روسيا "بقوة مضاعفة" . وإذا إنتصر الجمهوريون وافترقوا نهائياً مع الصين ، فالأمر لن يختلف بالنسبة لروسيا ، لأنهم يعتبرون الدولتين ثنائياً ، تمثل فيه روسيا الحلقة الأضعف ، التي ينبغي توجيه الضربة إليها . 

ويقول ساتانوفسكي ، بأنه حتى لو انهارت أميركا "وهو أمر غير مستبعد"  ، فمن يدري ماذا ستتفتق عنه أذهانهم قبل ذلك ؟ ويذهب إلى الإفتراض ، بأنهم قد يفجرون حرباً نووية ، من أجل أن يتميز نعش أميركا في نهاية العالم ، التي تحل مع هذه الحرب ، و"ليس هذا بغريب عن نمط التفكير الأميركي" ، برأيه . 

لكن ، وبمعزل عن آراء السياسيين والكتاب الروس في الإنتخابات الرئاسية الأميركية ، يبقى الروبل وسعر صرفه مقابل الدولار، هو التعبير الأصدق عن تأثير الإنتخابات الأميركية على العلاقات الروسية الأميركية . في تعليق على التراجع الشديد في سعر صرف الروبل عشية يوم الإنتخابات الأميركية ، نشر الموقع الروسي للبحث في الإنترنت "Rambler" نصاً بعنوان "الإنهيار بدأ : ماذا سيحصل للروبل بعد الإنتخابات في الولايات المتحدة" قال فيه بأن العملة الروسية انهارت من جديد . وأكد أن التطور اللاحق للأحداث في السوق المالية يرتبط مباشرة بنتيجة الإنتخابات الرئاسية الأميركية ، والخطر كبير في تسارع هذا الإنهيار . وأشار إلى أن سعر صرف الروبل في البورصة الروسية يوم الإثنين في 2 من الشهر الجاري ، قفز إلى 80 روبل للدولار الواحد (من 76 –77  روبل) ، وذلك للمرة الأولى بعد آذار/مارس المنصرم ، ومقابل اليورو إلى 94 روبل مقابل اليورو الواحد (من 91 – 92 روبل) ، وذلك للمرة الأولى منذ العام 2014 . وقال بأن بعض المضاربين في البورصة سوف يحاولون رفع سعر الصرف إلى 100 روبل مقابل اليورو ، و86 مقابل الدولار ، وبسبب الإنتخابات الرئاسية الأميركية ، سوف يتعرض الروبل لتجربة أقسى بكثير مما تعرض له بسبب إنهيار أسعار النفط . 

وينقل الموقع عن "غالبية" الخبراء الروس تأكيدهم ، بأن إنتصار ترامب هو المفضل أكثر بالنسبة للروبل . فإذا انتصر ترامب ، سوف يواصل توسيع قطاع النفط ، وسوف ترتفع أسعاره ، مما يعتبر لصالح روسيا ، وسيبقى الروبل يتأرجح عند هامشه الراهن ، حسب أحد هؤلاء الخبراء ، الذي يذكر بأن العملة الروسية تعززت حين وصل ترامب إلى البيت الأبيض منذ اربع سنوات . 

ليس بالنسبة للروبل فقط كان فوز ترامب هو المفضل ، بل بالنسبة للكرملين أيضاً ، وفق ما أكده مركز كارنغي في نص سابق على الإنتخابات الأميركية بعنوان "وداعاً ترامب ؟ ما الذي تنتظره النخبة الروسية من الإنتخابات الأميركية" . وقال بأن موقف النخبة الروسية من الإنتخابات ليس موحداً ، بل تسود مقاربات مختلفة لها ، وفي حال إعادة إنتخاب ترامب ، سوف تواصل روسيا الشماتة من ضعف السياسة الأميركية واستغلاله ، على الرغم من التعب المتراكم خلال سنوات حكمه ، والمتمثل في تدمير أسس العلاقات الإستراتيجية ، وتهديد مد أنبوب الغاز"الشمال – 2" ، ووضع روسيا كأسيرة للسياسة الداخلية الأميركية ، مما يجعل فوز بايدن ليس السيناريو الأسوأ في المستقبل ، كما يستنتج المركز. 

ويبدو أن الكرملين ، وعلى الرغم من تفضيله الضمني لفوز ترامب ، إلا أنه لم يستبعد التطور الراهن للأحداث واقتراب بايدن من الفوز بالرئاسة الأميركية ، فكتبت صحيفته "vz" في 6 من الشهر الجاري بعنوان "ما هي حسنات بايدن بالنسبة لروسيا" ، دعت فيه ، مع ذلك ، إلى ضرورة إلتزام روسيا الحذر في علاقاتها المقبلة مع الولايات المتحدة  ، والإستعداد للدفاع عن مصالحها من كافة الجهات . 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب