آخر تحديث:06:40(بيروت)
الأحد 29/11/2020
share

اغتيال المسارات السياسية الايرانية

حسن فحص | الأحد 29/11/2020
شارك المقال :
اغتيال المسارات السياسية الايرانية
هل سيستجيب النظام الايراني للاستدارج الاسرائيلي الترامبي وحلفائهما في المنطقة ويذهب الى تعطيل كل المسارات التي بدأت تتبلور لفتح باب الحوار والتفاوض مع الادارة الامريكية الجديدة بقيادة الرئيس المنتخب جوزيف بايدن وفريقه الدبلوماسي والامني؟ سؤال فرضته التطورات الامنية الاخيرة التي شهدتها العاصمة الايرانية جراء اقدام مجموعة مسلحة وصفتها ايران بانها ارهابية على اغتيال عقل البرنامج النووي محسن فخري زاده معاون وزير الدفاع ورئيس مؤسسة الدراسات وتطوير الدفاعات العسكرية. 

لا شك ان عملية الاغتيال ونوعيتها تعتبر ضربة مؤلمة للنظام الايراني وجهوده في تطوير البرنامجين النووي والصاروخي التي كان فخري زاده على رأسها، وتحول بعد عام 2011 ومقتل ابو البرنامج الصاروخي الجنرال حسن طهراني مقدم في انفجار خلال تجربة صاروخية جديدة، الى الشخصية الابرز في مجال تطوير الصناعات الصاروخية والنووية الايرانية، فضلا عن ارتفاع مستوى التدابير الامنية حول العاملين في البرنامج النووي بعد الاغتيالات التي طاولت اربعة من ابرز العلماء في هذا المجال من زملاء فخري زاده.

وعلى الرغم من مبادرة القيادات الايرانية وفي مقدمهم المرشد الاعلى للنظام لتوجيه أصابع الاتهام الى جماعات ارهابية مدعومة من جهات خارجية، وتحديدا ادارة الرئيس الامريكي المنتهية ولايته دونالد ترمب ورئيس الحكومة الاسرائيلية بينيامين نتنياهو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الا ان الحقيقة المؤكدة ان خرقاً امنياً كبيراً ادى الى نجاح هذه العملية المركبة التي تم تنفيذها على مرحلتين، باستخدام سيارة مفخخة ثم عناصر مسلحين لتأكيد نتيجة الاغتيال، ما يدل ان هذه الجماعات قد قامت بالتخطيط والمراقبة والتتبع والملاحقة والاعداد للعملية واختيار مسرحها من دون ان تكون في هاجس الانكشاف امام الاجهزة الايرانية خاصة تلك التي تتولى مهمة تأمين الشخصيات الاساسية في النظام ومؤسساته الحساسة. وبالتالي فانها تطرح علامات استفهام كثيرة حول فعالية هذه الاجهزة التي حاولت في الاشهر الاخيرة الظهور وكأنها قادرة على ملاحقة اي مصدر يهدد استقرار النظام في الداخل والخارج، وان العمليات التي قامت بها باستدراج عدد من المعارضين في الخارج الى الداخل امثال روح الله زم من فرنسا والمعارض جمشيد تشارمهد من امريكا وقائد جيش العدل عبدالملك ريغي وغيرهم ومؤخرا عملية اغتيال القائد الجيش لجماعة ريغي عمر شاهوزهي داخل الاراضي الباكستانية. ما يعني ان هذه الاجهزة وعلى غرار المؤسسات السياسية الاخرى تعطي الاولوية في عملها لتعزيز موقعها السياسي والامني على الساحة الخارجية على حساب الساحة الداخلية، ما انتج ترهلا في عمل هذه الاجهزة وكشف المواقع الحساسة والاستراتيجية امام كل من يريد استهدافها، ولعل ما حصل في تفجير منشآة نطنز في تموز 2020 يشكل خرقا واضحا خاصة وان الجهات المعنية بالتحقيق في حرس الثورة والمجلس الاعلى للامن القومي اعترفا صراحة ان هذا التفجير كان عملا تخريبيا قامت به عناصر استطاعت اختراق المنظومة الامنية المكلفة حماية هذه المنشأة وغيرها من المواقع الاستراتيجية. 

وهنا لا يمكن مقارنة الخرق الاخير باستهداف وانكشاف أبي البرنامج النووي امام اجهزة الاستخبارات الامريكية او الاسرائيلية وحتى الجماعات الداخلية التي قامت بالتنفيذ، مع عملية الاغتيال التي استهدفت مطلع هذا العام قائد قوة القدس الجنرال قاسم سليماني وما يمثله من موقع متقدم ومحوري في المشروع الاقليمي للنظام الايراني، لان العملية الاخيرة وقعت خارج الحدود الايرانية وامكانية حصول تسريب في خطة تحرك الهدف أكثر واقعية فيما لو كان داخل ايران.
 

اما في البعد السياسي لعملية الاغتيال هذه، يبدو واضحا ان الهدف المشترك بين الجهات التي تقف وراءها، اي الضوء الاخضر من الرئيس ترمب والتخطيط الاسرائيلي ورغبة نتنياهو، بالاضافة الى ما تتحدث عنه طهران من تورط سعودي مع الموساد الاسرائيلي في تدريب واعداد المجموعة المنفذة التي تنتمي الى جماعة مجاهدي الشعب (او منافقي خلق حسب التسمية الايرانية الرسمية) هو استبدال العمل العسكري المباشر والذهاب الى هذا الخيار من اجل ارباك الادارة الجديدة للبيت الابيض وفريق الرئيس بايدن في تنفيذ الوعود التي اطلقها عن نيته العودة الى الاتفاق النووي وفتح مسار تفاوضي جديد من النظام الايراني. 

فعملية الاغتيال كبحت الاندفاعة الايرانية والايجابية الكبيرة التي أبداها روحاني حول امكانية التفاوض، وبالتالي فان على بايدن توقع المزيد من التشدد الايراني والتصلب برفض اي محاولة لفتح مسار المفاوضات النووية لتشمل مجالات اخرى يطمح لتحقيقها بايدن في ما يتعلق ببحث البرنامج الصاروخي والنفوذ الاقليمي لايران. 

ولا شك ان هذا الاغتيال قد يسهم في احداث ارباك على المستوى الداخلي الايراني، لانه سيلجم الاندفاعة التي برزت من روحاني وفريقه خاصة وزير الخارجية محمد جواد ظريف والتي راهنوا فيها على استثمار التغيير في ادارة البيت الابيض واعتباره فرصة لا يجب التفريط بها واضاعتها لما تشكله من مدخل لحل ازمة العقوبات والحوار ما واشنطن. وهذا الارباك سيصب في صالح المعسكر المحافظ ويحقق له انتصارا مرحليا، كونه لم يتردد بمهاجمة الداعين للحوار والتفاوض وحتى الاتفاق النووي، مستخدما في هذه المواجهة المواقف الصادرة عن المرشد الاعلى للنظام الذي دعا لعدم الثقة بالمفاوض الغربي ونواياه سواء كان امريكيا او اوروبيا، وان الحل الوحيد هو باذعان هذه القوى بوجوب الغاء العقوبات والتعويض عن الخسائر الايرانية والعودة الى تنفيذ مفاد الاتفاق النووي من دون شروط او تعديل عليها وفيها. مع اسقاط اي امكانية لبحث موضوع البرنامج الصاروخي في المستقبل. ما يعني ان هذا المعسكر سيذهب الى مزيد من التشدد مع الجهات الداخلية الداعية للانفتاح على الادارة الامريكية الجديدة، بما يخدم الاهداف التي يسعى لها هذا المعسكر في معركته لاستعادة السيطرة على السلطة التنفيذية في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وبالتالي الانتقال الى حسم الجدل حول الشخصية التي ستتولى زمام هذا الموقع الذي سيتولى مهمة التعامل مع المستجدات في كل الملفات الداخلية والخارجية، النووية والاقليمية والدولية. ما يعني ايضا ان مصير الانتخابات الرئاسية قد خرج من دائرة التنافس بين المعسكرين الاصلاحي والمحافظ لينتقل الى دائرة ترجمة رؤية مرشد النظام ومعه حرس الثورة في تكريس مشروعها في ايصال شخصية من داخل المؤسسة العسكرية قادرة على فهم الاستراتيجية الايرانية التي يرسمها المرشد مع الحرس من دون الخوف ان يلجأ لتقديم تنازلات تحت عناوين براغماتية. 

الا ان الظاهر حتى الان ان الموقف الذي اعلنه المرشد الاعلى والقيادات العسكرية المعنية بعملية الاغتيال، بان عملية الرد لن تكون سريعة او متعجلة، وهي تعتمد الاسلوب نفسه الذي رافق عملية اغتيال الجنرال سليماني، وان طهران ستترك المجال مفتوحا لمعرفة طبيعة الموقف الذي ستعتمده الادارة الجديدة للبيت الابيض التي تعتبر معنية بارتدادات هذه العملية كايران، وبالتالي عدم تفويت الفرصة امام حصول تقدم على المسار السياسي، في محاولة لافشال مساعي ترمب – نتنياهو لجر النظام في طهران الى مواجهة مفتوحة تدخلها والمنطقة في نفق لا ترغب فيه ولا تريده، وان اي رد محتمل لن يكون في التوقيت الاسرائيلي، اي ان طهران لن تستدرج إلى أي عمل عسكري انتقامي بتوقيت نتنياهو – ترمب بانتظار اللحظة المناسبة على مبدأ الاحتفاظ بحق الرد في الزمان والمكان المناسبين.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها