آخر تحديث:06:30(بيروت)
السبت 28/11/2020
share

مقاربة بايدن الإيرانية

بسام مقداد | السبت 28/11/2020
شارك المقال :
مقاربة بايدن الإيرانية

كانت إيران بين الدول، التي تابع مواطنوها الإنتخابات الأميركية "خطوة خطوة وولاية ولاية"، كما كتب على موقع المجلس الروسي للعلاقات الدولية باحث إيراني زائر في جامعة أوراسيا في كازاخستان. وتشير مواقع التواصل الإجتماعي الإيرانية على تويتر وإنستغرام، حسب أحمد فخشيته، بأن إيرانيين كثر لم يناموا الليل وهم يتابعون التنافس بين ترامب وبايدن، الذي شطرهم، كما الأميركيين، وإن كانت قيادتهم تفضل فوز جو بايدن، ويتساءل الكاتب كيف يمكن تفسير هذا التأثير المباشر للإنتخابات الأميركية على الوضع في إيران، ولماذا كان سعر صرف العملة الإيرانية مقابل الدولار وسعر النقود الذهبية يتغير وفق تبدل مواقع المتنافسين في عملية فرز الأصوات، فكان يرتفع سعر العملة الإيرانية تجاه الدولار والنقود الذهبية مع تقدم بايدن، وينخفض مع تقدم ترامب.

وقبل أن يحاول الرجل الإجابة عن تساؤلاته، سرد مطولاً تطور العلاقات الأميركية الإيرانية بعد الثورة الإسلامية العام 1979، وكيف تطور إنقسام الإيرانيين إلى راديكاليين بزعامة المرشد الأعلى خامنئي متمسكين بشعار الثورة "لا شرق ولا غرب، عاشت الثورة الإسلامية"، وإصلاحيين بزعامة روحاني حالياً يدعون إلى التقارب مع الغرب. لكن وصول ترامب إلى البيت الأبيض ومن ثم إنسحابه من الإتفاقية مع إيران، غير قواعد اللعبة الإيرانية، وبدل تصور الإصلاحيين المثالي عن الغرب، ووضع الرئيس روحاني في مأزق، لم ير مخرجاً منه سوى في اتخاذ خطوات تستند إلى أيديولوجية الثورة الإسلامية في التوجه نحو الشرق، مما كان يتوافق مع إستراتيجية خامنئي في السياسة الخارجية. وقد ساعد هذا التكتيك حكومة روحاني، من جهة، على كسب الوقت حتى الإنتخابات الرئاسية الأميركية الحالية والمراهنة على فوز بايدن، ومن جهة أخرى على ضمان دعم جميع أجهزة الدولة في الإحتجاجات المحتملة بسبب الصعوبات الإقتصادية، وهو ما أثبت فعاليته في احتجاجات خريف العام 2019 ضد ارتفاع أسعار البنزين.

ويعتبر الباحث أن ثمة ثلاث مفارقات في مقاربة إيران للعلاقة مع الولايات المتحددة، تتمثل أولاها في أن المجموعات الطلابية الراديكالية، التي احتلت السفارة الأميركية في طهران في 4 تشرين الثاني/نوفومبر العام 1979، هي نفسها، التي تدعو اليوم لتوسيع العلاقات مع الولايات المتحدة، وتسمي التوجه نحو الشرق (روسيا والصين) "توجهاً خاطئاً". وتقوم المفارقة الثانية على أن القيادة الروحية لإيران تفترض، من جهة، أن الولايات المتحدة ضعيفة حيال إيران، وليس بوسعها القيام بأية عمليات ضد الجمهورية الإسلامية، وأن ليس للعقوبات الأميركية تأثير مهم على إيران القوية لدرجة، أن بوسعها تدمير إسرائيل عند الضرورة. ومن جهة أخرى، في كل مرة تبرز فيها صعوبات إقتصادية جدية وتتسع حركة الإحتجاجات، يسمون الولايات المتحدة "الشيطان الأكبر" ومصدر جميع المشاكل الإيرانية. أما المفارقة الثالثة فتتمثل في قيام القيادة الإيرانية والحكومة كل عام في سنوية إحتلال السفارة الأميركية بطقوس إحراق العلم الأميركي في المبنى القديم للسفارة. لكن بدل هذه الطقوس كان الإيرانيون في 4 تشرين الثاني/نوفومبر هذه السنة يتابعون الإنتخابات الأميركية، وكأنها إنتخاباتهم الرئاسية، لأنهم واثقون من أن فوز ترامب أو بايدن سيكون له تأثير مختلف، إنما مباشر، على حياتهم. وحين أُعلن فوز بايدن انخفض سعر الدولار من 300 ألف ريال إلى 240 ألفاً (خلال رئاسة ترامب ارتفع سعر الدولار من 35 ألف ريال إلى أكثر من 300 ألفاً، حسب الكاتب).

ويفترض الكاتب، أن رئاسة بايدن ستوفر عدداً من الشروط لعودة أميركا إلى الصفقة النووية مع إيران، يتمثل أولها في إنتقاد بايدن وإدانته لمقاربة ترامب لإيران، مما سيمهد الطريق لإقامة العلاقات معها بروحية سلوك أوباما الديموقراطي. وستقوم الولايات المتحدة مجدداً بإعادة تقويم ميزان التهديدات بين إيران والبلدان العربية، وستولي الكثير من الإهتمام للسعودية.

إضافة إلى هذين الشرطين، اللذين ستوفرهما رئاسة بايدن، يفترض الكاتب، أن إدارة بايدن ستنتهج سياسة التقارب مع الصين وتخفيض دور موسكو وتأثيرها في طهران، وكذلك تخفيض أهمية الشراكة الإيرانية الروسية في معالجة قضايا الشرق الأوسط، مما قد يؤدي إلى عزل روسيا.

ولا يستبعد الكاتب أن فوز بايدن، وبسبب الصداقة القديمة، التي تربطه مع جواد ظريف، ستتوفر لهذا الأخير حظوظ مرتفعة في الإنتخابات الرئاسية الإيرانية القادمة، وقد يصبح المرشح الرئيسي للتيار الإصلاحي و"منقذ" إيران في الخروج من مأزق العزلة الدولية.

وكالة تاس، من جانبها، نشرت نصاً حول سلوك الولايات المتحدة المحتمل حيال إيران في ظل رئاسة بايدن. وهي ترى، أن إدارة ترامب، وخلال الأيام المتبقية لها، بوسعها أن تزرع ألغاماً مؤقتة قد تتعثر بها إدارة بايدن. فقد أعلن وزير الخارجية مايك بومبيو "برنامجاً داهماً" للعقوبات على إيران، كان أولها ما أعلنه من عقوبات جديدة على المنظمة الخيرية "مستضعفان" ووزير المخابرات محمود علوي. ويقول كاتب النص، بأن فرض العقوبات أسهل بكثير من رفعها، وسيتعين على بايدن التعامل مع تركة ترامب، وشرح ما الذي حصل عليه مقابل رفع كل عقوبة. وستتطلب هذه العملية وقتاً طويلاً، والكثير من العقوبات لن ترفع، في حين أن الوقت يعمل لتعزيز الصراع، حيث ستجري العام 2021 إنتخابات عامة في إيران، قد يفوز بها المتشددون المعارضون بشدة لأي تقارب مع أميركا.

الهدف الإستراتيجي لإدارة ترامب بقوم في جعل مقارباتها تعمل في ظل إدارة الديموقراطي بايدن أيضاً. ويشمل هذا الهدف السياسة الشرق أوسطية، حيث النقاشات بين الجمهوريين والديموقراطيين تتعلق بمستوى دعم إسرائيل، العلاقات مع السعودية والتدابير الآيلة للحؤول دون صنع إيران للسلاح النووي. وأهداف إدارة ترامب بشأن إيران تبقى غير واضحة، إلا أنها أكثر ما تذكّر بمحاولة جعل السلطات الإيرانية تبلغ حافة الإنهيار، أو الإستسلام دون قيد أو شرط، حسب ما أعلن لوكالة تاس خبير معهد واشنطن لبلدان الخليج علي الفونة.

سياسة "الضغط الأقصى"، التي اتبعتها إدارة ترامب حيال إيران، استهلتها بالخروج من الصفقة النووية، التي عقدت في عهد نيابة رئاسة بايدن، وركزت منذ البداية على تصدير النفط الإيراني ـــــ البند الرئيسي في مداخيل إيران، مما أسفر عن إنخفاض الناتج الإجمالي الإيراني العام 2019 بمقدار 7,6%. لكن هذا الضغط على تصدير النفط ليس أقصى العقوبات الممكنة، إذ أن العقوبات يمكن أن تطاول، حسب الخارجية الأميركية، أي مؤسسة إيرانية مرتبطة ببرنامج الصواريخ البالستية، أو بدعم الحركات الشيعية في الشرق الأوسط.

وتقول تاس، بأن مهمة بايدن لن تكون سهلة في الشرق الأوسط، حيث التشابك المعقد لمصالح جميع الأطراف فيه. فأي تنازل لأحد الأطراف، سوف يعني مباشرة تعزيز مواقع الطرف الخصم. فإذا ما رفع بايدن العقوبات عن إيران، سوف يؤدي ذلك إلى تحسين وضعها الإقتصادي، مما سيؤدي حتماً إلى تعزيز موقع الحوثيين ضد السعودية، ومواقع حزب الله وحماس ضد إسرائيل. وفرض العقوبات على إيران في العام 2018 أدى إلى زعزعة مواقع حكومة الإصلاحيين، وتعزيز مواقع المتشددين الداعين إلى العزلة عن العالم. وفوز بايدن واحتمال الإنفراج المقبل مع الولايات المتحدة هو نبأ مشؤوم بالنسبة لهؤلاء. وتنقل "تاس" عن صحيفة "كيهان" المغرقة في محافظتها قولها، بأن "عداء أميركا لإيران لم يبدأ مع ترامب، ولن ينتهي مع بايدن ... وثمة في الحكومة من دأب منذ ثلاث سنوات على تفسير جميع مصاعب البلاد بفسخ الصفقة النووية، وسوف يستخدمون الآن نتائج الإنتخابات الأميركية لصالح أهدافهم السياسية".

الباحث الإيراني المذكور أعلاه يؤكد أنه، بغض النظر عن تفضيل القيادة الإيرانية والحكومة لوصول بايدن، وعدم تصريح ترامب عن رغبته في إسقاط النظام الإيراني، إلا أن وسائل التواصل الإجتماعي تشير إلى أن الغالبية العظمى من الإيرانيين كانوا يرغبون في فوز ترامب، الذي كان يحاول ممارسة أقصى الضغط على الجمهورية الإسلامية وإنهاء الحكم الديني للبلاد.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها