آخر تحديث:08:04(بيروت)
الثلاثاء 24/11/2020
share

الائتلاف معلِّماً الديموقراطية

عمر قدور | الثلاثاء 24/11/2020
شارك المقال :
الائتلاف معلِّماً الديموقراطية
كان يمكن لـ"الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" البقاء بلا قرار أو بيان، بلا نأمة على الإطلاق. هذه وصفة ليكون منسياً تماماً، فلا يُذكر على سبيل التندر في ألطف الصياغات، أو يُشتم بجدية من قبل البعض، بينما البعض الآخر يكاد يعتذر عن إنفاقه الشتيمة حيث لا طائل منها. أبى الائتلاف إلا أن يحرك المستنقع الراكد، فقرر إنشاء ما يُسمى "المفوضية العليا للانتخابات"، ليُتّهم "في غضون الشتائم" بأنه يمهد لمشاركة الأسد في الانتخابات المقبلة. 

سارع الائتلاف إلى إصدار توضيح ينص على أن إنشاء مفوضية الانتخابات العتيدة استعدادٌ للمرحلة الانتقالية وما بعدها، وفشل التوضيح في إبعاده عن الشبهات، لا على صعيد الأفراد فحسب وإنما أيضاً على صعيد تنظيمات معارضة. إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي، على سبيل المثال، أصدر بعد يومين من التوضيح بياناً يتهم الائتلاف بإنشاء المفوضية تلبية لإملاءات دول راعية، وضمن تفاهمات أستانة وسوتشي لا في سياق قرارات الأمم المتحدة، مع التنويه بأن ذلك كله ينزع عنه صفته التمثيلية لقوى الثورة والمعارضة. وأهمية البيان الأخير هي في وجود "إعلان دمشق" ضمن دهاليز المعارضة وسراديبها، وخبرته بألعابها منذ تشكيل المجلس الوطني، مما لا يبرئه من مسار المعارضة ككل.

هدف تشكيل مفوضية الانتخابات، بحسب قرار تشكيلها، هو تمكين قوى الثورة والمعارضة من المنافسة في أية انتخابات مستقبلية سورية، من خلال ممثلها الشرعي "أي الائتلاف". الهدف الآخر تهيئة الشارع السوري لخوض غمار الاستحقاق الانتخابي، والمهمة الثانية والأخيرة من مهام المفوضية نشر الوعي بأهمية المشاركة الفاعلة في الاستحقاقات الوطنية. 

إذاً، غاية الائتلاف من إنشاء المفوضية تثقيف الشارع السوري بمسائل الديموقراطية وما يتصل بها من تفرعات انتخابية، وأيضاً توعية الشارع بأهمية المشاركة الفاعلة، فلا يبقى مستنكفاً ولامبالياً. ننحي جانباً الهدف الأول وهو تمكين الائتلاف من المنافسة في الانتخابات المأمولة، لأنه شأن داخلي لا ادّعاء فيه حول تثقيف الشارع السوري، لنتوقف عند "تهيئة الشارع" و"نشر الوعي" بما لهذين الزعمين من صلة وثيقة بمسيرة الائتلاف نفسه!

منذ تشكيل الائتلاف، نُظر إليه كهيئة موجودة بقرار دولي لوراثة المجلس الوطني الذي هيمن عليه الإسلاميون، وكانت ظروف تأسيسه توحي باعتماده لسحب شرعية الأسد أو جزء منها. كتلة واسعة من السوريين الذين أيدوا الائتلاف، أو لم يكن لهم موقف سلبي منه، هذه الكتلة لم ترَ فيه تمثيلاً للسوريين بقدر ما هو تمثيل لقوى خارجية، لكن لا بأس بما أن القوى التي سعت لتأسيسه معوَّلٌ عليها لدعم القضية السورية. هذا المدخل ينقض تمثيل الائتلاف بالمعنى الديموقراطي، فهو لم يأتِ انتخاباً من قاعدة واسعة وإنما تلبية لرغبات خارجية. ومنذ المؤتمرات الانتخابية الأولى كان أثر الخارج طاغياً، فالتوازنات الخارجية أو غيابها هما الناخب الحقيقي، وهناك حوادث معروفة جداً استحال فيها اتفاق أعضاء المؤتمر ليتدخل مندوبو الدول الراعية بإيجاد الحلول أو فرضها، قبل انفراد أنقرة بالهيمنة على الائتلاف ومؤسساته. 

مصيبة الائتلاف ليست في الارتهان لدول أو دولة ترعاه، هي في غياب الديموقراطية التي وحدها تمنحه صفة تمثيلية، وتجعل من علاقته بقوى الخارج سياسةً لا تبعية. أي أنه منذ تأسيسه لم يقدّم مثلاً ديموقراطياً واحداً يسند تشكيله مفوضية للانتخابات، مع الزعم بأنها ستعلّم وتشجع الشارع السوري على ممارستها. المثل الأخير الطازج كان في "الانتخابات" الأخيرة، عندما تبادل رئيس الائتلاف ورئيس الهيئة العليا للتفاوض مركزيهما بسلاسة قلّ نظيرها. 

هناك حكومة مؤقتة تابعة للائتلاف، وهي تنشط باسمه في العديد من "المناطق المحررة"، حيث يُفترض أن يكون للائتلاف دور ما، لا على صعيد بعض الخدمات وإنما على صعيد إدارة المناطق. لكن، كما هو معلوم، لم يكن للائتلاف ذلك الدور في معظم تلك المناطق، والأسوأ أن العديد منها شهد انتهاكات من قبل القوى العسكرية المسيطرة مع صمت الائتلاف المطبق. لو قدّم الائتلاف نموذجاً عن الديموقراطية في أيّ من تلك المناطق لحَقَّ له زعم حيازته بعض الخبرة، وإذا كان عاجزاً عن التأثير على قادة تلك الفصائل فالعجز لا يعفيه من مسؤولية المطالبة بإدارة ديموقراطية، إذ ربما أحرج قليلاً أولئك العسكر أو داعميهم.

انتقاد إنشاء مفوضية الانتخابات على خلفية الشك في أنه تمهيد لمشاركة الأسد في انتخابات مقبلة هو أكثر الانتقادات تهافتاً حالياً، إذ من المعلوم أن الائتلاف سيمضي في المساومات وصولاً إلى التسوية التي يقررها الخارج، والتوقيت الحالي مع الانشغالات الأخرى للقوى الكبرى بعيد جداً عن التسوية والإعداد لها. التركيز على هذا الجانب يحابي الائتلاف بصرف الانتباه عن كون العلّة فيه ككل، ومن جهة أخرى ربما يظلم الائتلاف بتحميل قرار إنشاء المفوضية ما لا يحتمل بالضرورة، إذ ربما لم تكن هناك دوافع سياسية على الإطلاق وراء القرار، ربما كان الأمر إدارياً بحتاً، وربما كانت هناك حاجة لاستحداث هيئة ومنصب لإرضاء شخص ما أو عدة أشخاص، وهذا لا ضرر فيه ولا فائدة كما هو حال العديد من هيئات المعارضة. 

الحملة على الائتلاف، وهي ليست الأولى، وعدم أخذ توضيحه على محمل الجد. كل ذلك قد يدفع إلى التساؤل عمّا يجب على الائتلاف فعله لتفادي ذلك السخط العام؟ الإجابة على هذا السؤال عويصة جداً، فالائتلاف مثقل بتاريخ شائن يجعله تلقائياً في موقع الاتهام، وتاريخ الأخطاء ذاك ليس تأريخاً، هو سياق انتهى إلى ما انتهى إليه الائتلاف بسياساته وأشخاصه، هو تاريخ حي متوالد لا يخلو من الاصطفاء بالمعنى السلبي للكلمة. هذا ليس رأياً شخصياً، نحن نقرأه بصياغة أو أخرى لدى كثر من مؤيدي الثورة أو المعارضة خارج سيطرة الأسد، وأيضاً لدى سوريين كثر تحت سيطرة الأسد يتمنون لو قدّمت المعارضة نموذجاً مغايراً يمنحهم قليلاً من الأمل. هؤلاء، في الداخل والخارج، هم نسبة معبّرة ومعتبرة من الشارع السوري الذي يريد الائتلاف تهيئته وتوعيته، ولسان حالهم لا يطالب الائتلاف بأكثر من البقاء بعيداً عنهم.

في أثناء كتابة هذه السطور ورد خبر، غير مؤكد بعد، عن نية الائتلاف التراجع عن إنشاء مفوضية الانتخابات جراء الاستياء العام. كأن الائتلاف يريد أن يسجّل بالتراجع فضيلة له، بينما لا يُستبعد أن يكون التراجع مناسبة أخرى للسخرية والنيل منه. كأن لسان الحال يقول: أما من ناصح يقنع هؤلاء بأن أفضل ما يفعلونه هو الصمت والتواري؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عمر قدور

عمر قدور

كاتب روائي سوري

مقالات أخرى للكاتب