آخر تحديث:08:11(بيروت)
الخميس 08/10/2020
share

مأزق كاراباخ الروسي

بسام مقداد | الخميس 08/10/2020
شارك المقال :
مأزق كاراباخ الروسي
روسيا هي الحاضر الغائب الأكبر في حرب كاراباخ الأذرية الأرمنية . فهي ، وإن لم تنخرط مباشرة حتى الآن في هذه الحرب ، وتجهد ألا تفعل ، إلا أن ظلها يبقى الأكثر حضوراً من بين سائر اللاعبين الآخرين المنخرطين في هذا الصراع ، إلى جانب أرمينيا أو أذربيجان . فجمهوريات القفقاز الجنوبي الثلاث ـــــــ أذربيجان وأرمينيا وجورجيا ـــــــــ كانت ، حتى الأمس القريب ، جزءاً من العالم السوفياتي ، الذي لا تزال روسيا تعتبر نفوذها فيه أولويتها الرئيسية ، التي لا تطيق المساس بها . وخاضت في سبيل استمرار نفوذها في هذه المنطقة ، حربها الأولى (بعد انهيار الإتحاد السوفياتي) العام 2008 ضد جورجيا ، التي انتفضت على هذا النفوذ ، وعاقبتها بسلخ منطقتي أبخازيا وأساتيا الجنوبية عنها  .  

الرئيس الروسي بوتين ، وفي مقابلة مع وكالة تاس الأربعاء في 7 الشهر الجاري ، اعتبر هذه الحرب "مأساة تقلقه" ، وقال بأن أذربيجان وأرمينيا وناغورني كاراباخ يسكنها ناس "ليسوا غرباء عنا" . وأكد ، أن كل شيئ يشير إلى أن الحل النهائي للصراع ليس قريباً ، لكنه دعا إلى وقف المعارك "بأسرع ما يمكن" . وحرص بوتين على الإشارة إلى  عدم إخلال روسيا بالتزاماتها تجاه أرمينيا في إطار "منظمة إتفاقية الأمن الجماعي" ، التي تتشكل من بعض الجمهوريات السوفياتية السابقة ، وقال بأنه على تواصل دائم مع رئيس وزراء أرمينيا  ، وليس لدى القيادة الأرمينية أية إعتراضات على إلتزام روسيا بمندرجات هذه الإتفاقية ، التي "إلتزمنا ، ونلتزم ، وسوف نلتزم بها" . وذكر بوتين أرمينيا بأن المعارك لا تجري على أراضيها ، ولذا اعتبر تأكيده على هذا الإلتزام ، بمثابة الرد على شكوك القيادة الأرمنية بصدقية روسيا في تأييدها ، لما تعرفه من موقف الكرملين غير الودي منها ، بسبب وصولها إلى السلطة إثر إنتفاضة الشعب الأرمني العام 2018 على القيادة الأرمنية السابقة الموالية للكرملين. 

شكوك القيادة الأرمنية بصدق تأييد الكرملين لها ، ليست حكراً عليها . فالحياد ، الذي تعلنه موسكو ، والصداقة مع طرفي النزاع ، التي تحدث عنها بوتين ، دفع هيئة تحرير صحيفة القوميين الروس "NG" إلى نشر مقالة بعنوان "إلى جانب من على روسيا أن تتدخل في النزاع في كاراباخ" ، تباهت فيها بالدبلوماسية الروسية ،  ورأت بأن احتدام الصراع بين أرمينيا وأذربيجان أتاح لروسيا إمكانية إبراز إمكانيات دبلوماسية غير عادية . وقالت ، بأنه مع اندلاع العمليات العسكرية ، برزت فرضيات تقول ، بأن على موسكو التدخل إلى طرف ما في الصراع . ويقول بعضهم ، بأن دعم روسيا لحليفها القفقازي في "منظمة إتفاقية الأمن الجماعي" ، يهدف ، على الأقل ، إلى الحؤول دون هزيمته العسكرية . لكن هذا الإلتزام ليس ، برأيها ، حجة لمحاربة أذربيجان ، التي تعمل ، شكلياً ، في إطار حدودها المعترف بها دولياً .
 

وتقول الصحيفة ، بأن موسكو لا تشعر ، كما يبدو ، بالميل إلى رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان ، الذي وصل إلى السلطة نتيجة ثورة ملونة ، في حين أن علاقاتها بالرئيس الأذري ، هي علاقات دافئة . وليس لدى موسكو مصالح مباشرة في القفقاز ، وقاعدتها العسكرية في أرمينيا ، ليست عرضة ، حتى الآن ، لأي تهديد . فهل يستحق الأمر ، في ظل هذا الصراع الغريب ، التضحية بعلاقاتها مع أذربيجان ، وتأليب دولة قفقازية أخرى  ، بعد جورجيا ، ضد نفسها ،  لتصبح أسيرة حليف أوحد في المنطقة ؟ لكن الوقوف إلى جانب باكو ، ليس له من أسباب أيضاً . 

روسيا ، ونادراً ما يحصل في تاريخ الصراعات ما بعد السوفياتية ، لم تنخرط في هذا الصدام . وتقول الصحيفة ، بأن عدم الإنخراط هذا ، يبدو من جانب روسيا ، إما ضعفاً وارتباكاً ، وإما موقفً واعياً "فوق الصدام" ، حيث عدم التدخل أحياناً ، والجهود الدبلوماسية مع الحفاظ على الحياد ، قد يكون أكثر نفعاً . وتقول الصحيفة أنه كان بودها لو تصدق ، الخيار الثاني ، وتؤكد في مقالة أخرى ، أن حرب كاراباخ تدفع بموسكو إلى طريق مسدود .

وفي سياق الغمز عينه من قناة القيادة الأرمنية لتبرير تردد الكرملين ومأزقه في حرب كاراباخ ، نشرت صحيفة القوميين الروس "SP" في 4 من الجاري مقالة بعنوان "باشينيان يريد التشاور مع ماكرون ، وليس مع بوتين" ، قالت فيها أن رئيس وزراء أرمينيا قرر تخويف الكرملين بالدعم الأوروبي له . وتشير الصحيفة إلى التصريح ، الذي أدلى به نيكول باشينيان في نهاية الأسبوع الأول بعد اندلاع المعارك مع أذربيجان ، وقال فيه بأنه تحدث هاتفياً مرتين مع بوتين ومرات عديدة مع غيره من قادة الدول المعنية ، وأكد بأنه ستكون له أحاديث هاتفية أكثر مع الرئيس الفرنسي وسواه من الزعماء . وتتساءل الصحيفة ، بأنه إذا كان باشينيان يرغب في التحدث أكثر إلى الرئيس الفرنسي وسواه من الرؤساء ، فلماذا يناشد موسكو ؟ وتقول الصحيفة ، بأن الخبراء يقولون ، بأن الإخفاق على جبهة كاراباخ ، وتوتر الوضع الداخلي ، يجبر باشينيان على اللجوء إلى الشركاء الأجانب ، بعد أن فشل في "تأليب إيران وروسيا على تركيا . وترى الصحيفة ، أن تصريح باشينيان عن رغبته في التحدث إلى ماكرون أكثر مما إلى بوتين ، ليس تصريحاً غير ودي فحسب ، بل هو محاولة لتخويف روسيا بتعزز دور الغرب في هذا الصراع ، وإجبارها على اتخاذ تدابيرها الخاصة في إطار مجموعة مينسك في منظمة الأمن والتعاون الأوروبي . 

إن أكثر ما يقلق الكرملين ، ويشدد مأزقه في كاراباخ ، هو إنخراط تركيا العلني في الصراع إلى جانب أذربيجان . فهو من جانب ، يخشى الإصطدام معها وفقدان ما أنجزه في سوريا من إبعادها عن الناتو والغرب عموماً ، ومن جانب آخر ، يخشى بشدة تمدد نفوذها في جنوب القفقاز ، سيما وأنها قد سبق وأحرزت نفوذا إقتصادياً وسياسيا واسعاً في جورجيا ، التي يكن لها الكرملين كراهية شديدة . ولعل المقالة ، التي نشرها في موقع سبوتنيك  أحد أبرز كتبة الكرملين  ، ونائب تحرير صحيفته "VZ"  بيتر أكوبوف في مطلع الشهر الجاري ، كانت أفضل تعبير عن موقفه من الدخول التركي في هذا الصراع . فقد جاءت المقالة تحت عنوان " هل تتمكن تركيا من إزاحة روسيا من وراء القفقاز" ، قال فيها الكاتب ، بأن الحديث يكثر عن أن الحرب في كاراباخ يمكن أن تفضي إلى فقدان نفوذ روسيا في ما وراء القفقاز . ويزعم أصحاب هذه الأقوال ، بأن ما تفقده روسيا ، سوف تحوز عليه تركيا ، بالطبع ، ولذا ينبغي على روسيا أن تدعم بحزم أحد طرفي النزاع ، وإخطار الأتراك برفض تدخلهم . وإلا سوف تفقد روسيا كل شيئ ، حيث ستخسر أرمينيا ، ويخيب أملها في روسيا ، وسوف تقتنع أذربيجان بفعالية الدعم التركي ، وتعتري البرودة موقفها حيال موسكو . وسوف تصبح تركيا القوة الأكثر نفوذاً في جنوب القفقاز ، وتنشط في وضع العصي في دواليب روسيا على الإتجاهات الأخرى ، وبالدرجة الأولى ، في سوريا وليبيا ، أي باختصار ، سوف تعود أزمنة الحروب الروسية التركية .

ويقول أكوبوف ، أن هذه المقولة مؤذية وخاطئة . فروسيا لن تدعم أحداً في هذه الحرب العبثية ، وستتمكن من وضع نهاية سريعة لها ، من دون أن تفقد نفوذها في المنطقة . لكن هذه المخاوف ، التي تعتري قسماً من الروس ، تدعمها ، حسب الكاتب ، تصريحات القادة الأتراك ، الذين  ، على عكس الروس ، لا يدعون إلى وقف إطلاق النار ، بل يقدمون الدعم الشامل لأذربيجان ، ويوجهون اللوم إلى روسيا. 

كان بودنا ، على قول الصحيفة الروسية أعلاه ، أن نصدق كلام كاتب الكرملين هذا ، وأن العقلانية تملي على الكرملين موقفه من حرب كاراباخ ، وليس مأزقه وعجزه عن اتخاذ موقف حاسم في هذه الحرب ، لكن سلوكه في سائر الصراعات ما بعد السوفياتية ، من أوكرانيا إلى سوريا وليبيا ، لا يقول بعقلانية الكرملين. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب