آخر تحديث:07:36(بيروت)
الأربعاء 07/10/2020
share

ترامب: مسيح الأزمنة الأخيرة

شادي لويس | الأربعاء 07/10/2020
شارك المقال :
ترامب: مسيح الأزمنة الأخيرة بدلاً من آثار المسامير في اليدين، رفع إبهاميه بعلامة النصر خاصته (غيتي)

بعد ثلاثة أيام قضاها في المشفى العسكري، هبط الرئيس من السماء في طائرته المروحية على البيت الأبيض. ثلاثة أيام ليست رقماً عادياً. كان ترامب قد أخبر جمهوره في البداية بأن إصابته بالفيروس تضحية، رفض أن يعزل نفسه حتى يقوم بمهامه، بذل نفسه لأجل الولايات المتحدة بل ولأجل العالم أيضاً، بكلمات أخرى وضع ذاته لأجلنا جميعاً. وقف ترامب في شرفة القصر الرئاسي في مشهد إنتصاري، رافعاً ذراعيه الاثنتين، أيقونة للقيامة بامتياز، لكن بدلاً من آثار المسامير في اليدين، رفع ترامب إبهاميه بعلامة النصر خاصته. الرئيس انتصر على الموت بجسده، وبإدارته أيضاً، نيابة عن الجميع ومن أجلهم، إدارته التي توصلت إلى أدوية يصفها بأنها "معجزة...معجزة من الله"، ويشير إلى نفسه في الجملة نفسها، بصيغة الغائب: "إدارة ترامب". وفي لحظة من التجلي الممزوج بالسخرية يعلق: "لعلني مُحصّن".

في الكنائس التي رفعت الصلوات من أجل خلاص الرئيس، هتف القساوسة في انتشاء "إين شوكتك يا موت، إين غلبتك يا هاوية!"، صرخة المسيح حين هبط إلى الجحيم بعد صلبه ليطلق المأسورين. يعرف ترامب جمهوره الأكثر إخلاصاً، جمهور الكنائس الذي يؤمن بالمعجزات وبالشفاء الإلهي، في عيون هؤلاء سار الرئيس في وادي ظل الموت، ولم يخف شراً لأن الرب معه.

لكن الرئيس ليس مسيحاً مصلوباً يتألم، ولا جمهوره هو فقط جمهور الكنائس. ترامب مسيح نيتشاوي بامتياز، مسيح علماني يؤمن بداروين، فإن كان نيتشه هو ضد المسيح أو عدوه، فإن مسيح الأزمنة الأخيرة هو الإثنان معاً، جرح نرجسي من المظلومية مع هوس بالقوة وإيمان بالعصمة المطلقة. الكمامة التي خلعها ترامب في شرفة البيت الأبيض عند عودته ليست علامة ماجنة على الاستهتار، بل موجزاً لكل قيمه وقيم مؤيديه، منظومة إيديولوجية كاملة تحتقر الحرص والخوف أو الحساسية "المفرطة"، الإنسان السوبر يلقى بنفسه في خضم الحياة بكل عنفوانها، كأفلام رعاة البقر قساة القلوب وباردي الأعصاب بالسيجارة تتدلي من جانب شفاههم فيما يطلقون الرصاص بطرف أعينهم. هؤلاء هم الآباء المؤسسون، البقاء للأقوى أو للأصلح، الصواب السياسي وغيره من صور السياسات الاجتماعية خصاء للغريزة البشرية. مناعة القطيع أكثر من مجرد نظرية بيولوجية. يؤمن ترامب بأن التاريخ يكتبه المنتصرون، هؤلاء الذين ينجون من معركة البقاء على جثث المهزومين والضعفاء والمرضى، ولذا كل تراتيبه هي مستحقة وجزء من نظام الأشياء، وأي محاولة لتغييرها هي تشويه للطبيعة وكبت لسطوتها.

يطمئن الرئيس مواطنيه ويدعوهم ألا يخافوا من كورونا وألا يدعوها تفسد حياتهم، ويعدهم بأنهم سينتصرون عليها، أكثر من مئتي ألف ضحية لا يعنون الكثير، ثمن قاس لكن لا بد من دفعه لأجل حركة الاقتصاد، فلا شيء يأتي مجاناً بالطبع. ويعود بعدها إلى مقارنة الجائحة بالأنفلونزا الموسمية كما في السابق. يتجول الآن موظفو البيت الأبيض بلا أقنعة واقية أمام الكاميرات، يتحدى الرئيس نصائح المتخصصين والإرشادات الطبية وتعليمات إدارته نفسها، وينتصر كالعادة، ينتصر حتى على الفيروس نفسه.

قبل يومين، كان الفارق بينه وبين منافسه عشر نقاط كاملة لصالح الأخير، لم يتعافَ الرئيس تماماً ومازال في مرحلة الخطر، لكن سوق الأسهم الذي هبط مع دخوله للمستشفى عوّض خسائره بالفعل مع عودته للبيت الأبيض. ربما يستعيد الرئيس أيضاً بعضاً من خسائر النقاط بعد تعافيه، حملته الدعائية بدأت بالفعل في الترويج إلى أن بايدن يفتقد لخبرة مباشرة مع الإصابة بكورونا. دعاية كفيلة بإثارة السخرية، لكنها جديرة بمسيح أزمنتنا هذه، زمن الزهو الإمبراطوري لقوة مطلقة، ولرئيس يزهو مع مؤيديه باحتقار الضعف.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب