آخر تحديث:05:49(بيروت)
الأحد 01/11/2020
share

إنتخابات أميركا وصراعات إيران

حسن فحص | الأحد 01/11/2020
شارك المقال :

على الرغم من كل التأكيدات التي تصدر عن مختلف المسؤولين الايرانيين، وحتى في المواقف التي اعلنها ويؤكد عليها المرشد الاعلى للنظام، التي تدعو لعدم الربط بين الوضع الايراني والانتخابات الرئاسية الامريكية التي باتت على بعد ساعات، الا ان التطورات التي تشهدها الساحة السياسية الايرانية تكشف الحجم الارتباط الكبير الذي يجمع بين العملية السياسية الايرانية ونتائج الانتخابات التي ستشهدها الولايات المتحدة الثلاثاء المقبل في الثالث من تشرين الثاني نوفمبر.

حالة الانتظار التي يعيشها المجتمع السياسي الايراني بكل اطيافه المحافظة والاصلاحية والمعتدلة، لم يقتصر اثرها على الازمة الاقتصادية والصحية التي تسببت بها جائحة كورونا التي تفاقمت نتيجة العقوبات الاقتصادية التي فرضتها ادارة الرئيس دونالد ترمب، بل انسحبت ايضا على شكل ارباك واضح في مواقف التيارات السياسية من الانتخابات الرئاسية الايرانية المقررة في الثامن عشر من شهر حزيران/ يونيو 2021 المقبل. 

التكييف الايديولوجي الذي يقدمه التيار المحافظ للازمة القائمة بين ايران وامريكا، لا يسقط من اعتباراته امكانية الذهاب الى التفاوض مع الادارة الامريكية، حتى مع امكانية عودة الرئيس الحالي ترمب وحجم التحديات الجيوسياسية التي تسبب بها للنظام وطموحاته الخارجية في الشرق الاوسط خاصة ومنطقة غرب آسيا عامة، الا ان التسويغ الذي يقدمه لهذا التفاوض ينطلق مع القول بوجود اختلاف بين المنطلقات التي يصدر عنها لاعتماد هذا الخيار عن المنطلقات التي قد يلجأ اليها التيار "الاستسلامي" كوصف للقوى الاصلاحية التي لم تسقط من مواقفها مسؤولية العقوبات والازمات المتصاعدة والمتراكمة مع واشنطن عن الوضع الذي وصلت اليه ايران على مختلف الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمعيشية وحتى الصحية. من هنا فان التيار المحافظ وقواه السياسية ترى في الانتخابات الرئاسية الايرانية معركة بين القوى التي تمثل "خط المقاومة" وبين القوى التي تمثل "خط الاستسلام" امام الامريكي. 

وبات من الواضح حجم التردد، وفي الوقت نفسه التشتت الذي تعاني منه القوى الاصلاحية في موقفها من الانتخابات الرئاسية الايرانية، وقد تزيد من حدتها في الاسابيع المقبلة نتائج الانتخابات الامريكية. فهي اذا ما كانت تعيش حالة من فقدان التوازن نتيجة التأثيرات السلبية التي لحقت بها جراء دعمها للرئيس الحالي حسن روحاني في الوصول الى موقع الرئاسة لمدة ثماني سنوات، فانها تحاول اعادة ترميم قاعدتها الشعبية التي تضررت كثيرا جراء فشل ادارة روحاني في ادارة الملف الاقتصادي والمعيشي وحتى الصحي، ما فتح الطريق امام القوى المحافظة وتيار السلطة بتوظيف هذه الاخفاقات لتعزيز قبضتهم على مفاصل السلطة والادارة، والتنصل في الوقت نفسه من اي مسؤولية عن العراقيل التي وضعوها بوجه  روحاني وادارته. 

التيار المحافظ الذي يبدو مطمئنا للمسار الذي تسلكه موازين القوى في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ويعتبر انه الاقدر على التحكم باتجاهاتها على غرار ما فعل في الانتخابات البرلمانية التي اعادت له السيطرة على السلطة التشريعية من دون منازع، وعدم قدرة القوى الاصلاحية بجميع اجنحتها في اعادة حشد الشارع الشعبي الضامن لاحداث تغيير في نتائج اي انتخابات، لذلك فان الجدل الداخلي بين احزاب هذا التيار -  المحافظ- يدور حول اختيار الشخصية الانسب التي تتوافق مع المرحلة المقبلة، خاصة ما يتعلق بالملفات الخارجية، وتحديدا في ملف التفاوض مع الادارة الامريكية بغض النظر عن الرئيس الذي سيصل الى البيت الابيض. وعلى الرغم من تعدد الشخصيات التي تدفع بها الاحزاب المحافظة لتكون صاحبة النصيب في الوصول الى مقر رئاسة الجمهورية، الا ان قيادة النظام وغرف القرار في الادارة العميقة والمؤسسة العسكرية تبدو غير متعجلة لحسم قرارها حول الشخص الذي تفضله على رأس السلطة التنفيذية في المرحلة المقبلة.

 في المقابل، فان انقساما واضحا داخل التيار الاصلاحي بدأ بالبروز الى العلن، بين الجناح الاصلاحي اليميني والجناح اليساري المعتدل الذي يقترب من موقف الجناح الاصلاحي المتشدد في موضوع الانتخابات، اي بين قوى اليمين الاصلاحي المحسوب على الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني وحزب كوادر البناء، وبين جماعة رجال الدين المناضلين التي يترأسها الرئيس محمد خاتمي.

واذا ما كان هذان الجناحان يبحثان عن مخارج لازمتهما التي لا تقتصر على الانتخابات الرئاسية والبقاء في دائرة التأثير السياسية او الحد الادنى من الشراكة السياسية مع قوى النظام، بل تتسع لتطال قاعدتهما الشعبية وقدرتهما على توظيفها في فرض تعديل في المعادلات السياسية. فان تيار اليمين الاصلاحي او حزب كوادر البناء الذي يعتبر الاقرب لروحاني في المرحلة السابقة، بدأ عملية البحث عن مرشح بديل يمثل الجناح المعتدل في التيار المحافظ بعد فشله وحسب اعترافات مسؤوليه في اقناع نائب الرئيس اسحاق جهانغيري ومحسن رفسنجاني رئيس بلدية العاصمة طهران ونجل الراحل رفسنجاني في دخول السباق الرئاسي، ويبدو انه عاد الى الجدل الاول الذي دار داخل صفوفه بتبني ترشيح رئيس البرلمان السابق علي لاريجاني. في حين فضل خاتمي الذي يرأس جماعة رجال الدين المناضلين، عدم تبني بشكل مباشر وبصفته القيادية، التوجهات التي قد تذهب اليها هذه الجماعة في تسمية مرشح اصلاحي لهذا السباق، الامر الذي يحمل على الاعتقاد اما برغبة خاتمي عدم استثارة النظام والادارة العميقة له من خلال الدخول المباشر في المعركة الرئاسية، وما يحمله ذلك من امكانية انفلات المواجهة على احتمالات مفتوحة، واما خوفا من عدم التفريط بما تبقى من مصداقية شعبية للقوى الاصلاحية وقراءته لحجم الانكفاء وتراجع الثقة الشعبية في كل القيادات والقوى السياسية على الساحة الايرانية نتيجة لما آلت اليه الامور والازمات، خاصة وان الاصلاحيين غير قادرين على توظيف ورقة التفاوض مع المجتمع الدولي في هذه المعركة التي تتحكم بمفاصلها جهات في النظام من خارج القوى المتصارعة او المتنافسة ولن تسمح لأي جهة في تكريس دورها وموقعها على حسابها في المعادلة السياسية الايرانية داخليا. 




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها