آخر تحديث:08:23(بيروت)
السبت 03/10/2020
share

سوريا كخطة خمسية روسية

عمر قدور | السبت 03/10/2020
شارك المقال :

لمرور خمس سنوات على التدخل العسكري في سوريا وقعٌ احتفالي في موسكو لم يتردد صداه خارجها. ربما يعود احتفاء الإعلام الروسي البارز إلى دلالة الرقم خمسة المستمدة من الإرث البيروقراطي السوفيتي وخططه الخمسية، الإرث الذي لا يُستبعد أن يكون وزير الدفاع سيرغي شويغو قد تشرّبه، هو الشيوعي السابق وابن مسؤول شيوعي سابق. ففي تصريحات شويغو لصحيفة النجم الأحمر "التابعة لوزارته" تبرز عقلية الحرب الباردة إذ يتحدث عن نصر ضخم تحقق عبر سوريا، الطرف الخاسر هو الغرب المستهين بالقدرات الروسية، ولتحدي الغرب وخسارته المزعومة مكانة تفوق الرواية الرسمية الروسية عن قتال "الإرهابيين".

من طرائف الحوار المنشور مع شويغو حديثه عن عملية تمويه ضخمة جداً واكبت التحضير للتدخل العسكري الروسي، لتظهر القوة العسكرية الضخمة على نحو مفاجئ. ما يهمنا التوقف عنده ليس التفاخر بعملية تمويه ناجحة في زمن أجهزة الرصد والتجسس التي تغطي الكوكب، ولا شك في أن سوريا كانت ولا تزال ضمن دائرة الاهتمام الدولية، فالأولى هو التوقف عند رد فعل واشنطن والعواصم الغربية، ردّ الفعل الذي يخلو من عنصر المفاجأة والغضب معاً. لعل من أصدق عناوين التعاطي الدولي مع التدخل الروسي مسارعة رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى زيارة بوتين والتنسيق معه، بينما تأخرت أنقرة في الفهم حتى اختبرت ردّ فعل "الحلفاء المتخاذل" على إسقاطها مقاتلة روسية. 

في الذكرى الخامسة للتدخل، وفي مناسبات عديدة سابقة، يحرص المسؤولون الروس على تأكيد أن سوريا ليست أفغانستان، وهذا صحيح جداً حتى إشعار آخر، لا لأن القيادة الروسية تجنبت أخطاء التدخل السابق وإنما لأن وجودها الحالي في سوريا يحظى بمباركة دولية وإقليمية مؤثرة. بل إن التدخل، الذي أتى شكلياً بطلب من بشار الأسد، حظي برضا طوعي سريع من شخصيات تحسب نفسها على المعارضة المعتدلة، ثم برضا قسري ممن يحسبون أنفسهم على صقورها. بالمقارنة مع تفاخر مسؤول إيراني بأنها أصبحت المحافظة الإيرانية الخامسة والثلاثين، لم يكن يعزّ على كثر "على جانبي الصراع السوري" أن تصبح سوريا مقاطعة روسية، مع الأمل بأن تثبت موسكو فارقاً ملموساً بين الحالتين. مجمل الظروف التي واكبت التدخل تشجع موسكو على التعاطي مع المرحلة المنقضية منه كخطة خمسية داخلية بالمعنى الحقيقي، لا بالانتقائية التي تعاطت معها الآلة الإعلامية التابعة للكرملين.

في جردة الحساب، الموجهة أساساً للجمهور الروسي، تظهر سوريا مجرد أرض، مكاناً ما للانتصارات الروسية على أكثر من صعيد. بل لا يندر تصويرها كحقل رماية تدربت فيه القوات الروسية، والأهم أنها اختبرت أسلحة وذخائر لم تختبرها من قبل في الحرب. على هذا الصعيد، تستطيع موسكو التباهي بأن جرائم الحرب تدرّ دخلاً، ففي عام 2017 أعلنت شركة روزوبورون إكسبورت الحكومية عن عقود بقيمة 15 مليار دولار بفضل الأسلحة التي اختبرتها في سوريا، ومن المرجح أن يتعلق قسم كبير من العقود بذخائر محرمة دولياً، عنقودية وفراغية وفوسفورية، كانت المقاتلات الروسية قد استخدمتها بكثافة في حلب والغوطة آنذاك. لقد وجدت القوات الروسية في جرائم الحرب التي سبق لقوات الأسد ارتكابها أفضل استثمار، لأن استخدام الأسلحة المحرمة دولياً سيُحسب على تلك القوات، سواء بالتواطؤ بين الجانبين أو بتواطؤ المجتمع الدولي الذي لا يرصد جرائم الحرب الروسية. 

بحسب وزير الخارجية لافروف، أُنجزت المهمة الروسية ولم يتبقّ سوى بؤرتي توتر في إدلب وشرق الفرات، والأولى منهما متروكة للتجاذبات التركية-الروسية، بينما الثانية خاضعة للقرار الأمريكي بلا منازع. للوصول إلى هذه النتيجة، بحسب زميله وزير الدفاع، نجحت العملية الروسية في تصفية أكثر من 133 ألف مسلح، وهذا رقم مهول من المرجح أنه يحتسب المدنيين ضحايا سياسة الأرض المحروقة، لضخامته من جهة ولأننا من جهة أخرى شهدنا اتفاقيات مصالحة أو ترحيلاً للفصائل يفنّدان وقوع هذه الخسائر في صفوفها. يراهن المسؤولون على أن جمهورهم قليل الدراية بما يحدث بعيداً، وعلى أن الأهم هو تقديم نتائج ناجحة لخطة الخمس سنوات الماضية، وملخصها الحصول على قاعدتين "جوية وبحرية" وتعزيز القوة الروسية الجيوسياسية من دون كلفة على الإطلاق، فالكلفة البشرية للقتال دفعتها ميليشيات الأسد ونظيرتها الإيرانية، والكلفة المالية هي من ميزانية التدريب فضلاً عن الأرباح الآتية من بيع الذخائر والأسلحة المختبرة. 

لا حضور لسوريا خارج ميزان الأرباح هذا، الإشارات إلى الانهيار الاقتصادي لسلطة الأسد تأتي إما لتلقي باللوم على العقوبات الاقتصادية الغربية أو لتلقي ببعض اللوم على فساد السلطة، وأحياناً على الوجود الأمريكي "غير الشرعي" في أماكن الثروة النفطية. لا ترى موسكو نفسها معنية بذلك الانهيار الذي لا يمس أرباحها الجيوسياسية، وللخروج من مأزق "لا تراه مأزقها" تعرض سبيلاً وحيداً أشبه بخطة خمسية "سوفيتية" أخرى هو المدخل الدستوري، بل حتى أنها تتحاشى وضع سقف زمني عالٍ لعمل اللجنة الدستورية التي تريد لها العمل وحدها ومن دون أجل محدد. لا يخالف السلوك الروسي في ذلك ما هو معروف عن نهج بوتين الديكتاتوري الثابت، إلا أنه يخالف الآمال المعقودة عليه. 

تصلح الاحتفالية الروسية بمرور خمس سنوات على احتلال سوريا للنظر إلى الوجود الروسي كما يراه أصحابه، أي خارج التمنيات والتكهنات والتوقعات التي خابت مراراً خلال المدة ذاتها. نعم، ستكتسب السياسة الروسية سمعة حسنة فيما لو اكترثت بمحكومي الأسد وبعموم السوريين، وفيما لو سارت في تسوية تقتضي تغييراً ولو متدرجاً نحو الديموقراطية. هو دور مطلوب ومأمول من قوى تخشى التغيير، ومن قوى تخشى الفوضى التي تعقب سقوطاً غير محسوب لسلطة الأسد. بل "نظرياً" هو دور مطلوب غربياً، لعله يكون مدخلاً لتسويات أخرى مع موسكو في أوكرانيا وبيلاروسيا وسواهما، فضلاً عن تجارب أخرى قد لا يكون موعدها بعيداً جداً في أفريقيا. 

لكن ما يُرى مصلحة روسية بعيدة المدى قد لا يُنظر إليه كذلك وفق المنظور الروسي، وعلينا ألا نفترض وجود غباء روسي خاص، فالتجربة الأمريكية في أفغانستان والعراق مثلاً لم تقدّم نموذجاً جيداً عن إدارة النصر أو الاكتراث بمصائر السكان. أما التواطؤ الغربي مع التدخل الروسي، كما هو فعلاً وبلا شروط عليه، فلا تٌلام موسكو بفهمه تفويضاً لها بالأدوار القذرة التي يتحاشاها الغرب. أبعد من الاحتفالية الروسية، كل القوى الخارجية الفاعلة الآن في سوريا ترى نفسها منتصرة بأقل الأثمان وبلا مسؤوليات يرتبها النصر، ولعل ذلك يشرح حال السوريين الآن وفي المدى المنظور.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عمر قدور

عمر قدور

كاتب روائي سوري

مقالات أخرى للكاتب