آخر تحديث:06:18(بيروت)
الأحد 25/10/2020
share

ايران بين الايديولوجيا والبراغماتية

حسن فحص | الأحد 25/10/2020
شارك المقال :
ايران بين الايديولوجيا والبراغماتية
على وقع الامتار الاخيرة للانتخابات الامريكية، تزداد حدة التنافس بين معسكر النظام ومعسكر السلطة التنفيذية التيار المؤيد او الداعم لها من إصلاحيين ومعتدلين في ايران. ولعل ما يتعرض له الرئيس حسن روحاني من هجوم واسع وشديد من قبل التيار المحافظ، خاصة البرلمان الذي يسيطر عليه هذا التيار بكل اطيافه بالكامل، يشكل مؤشرا واضحا على عمق الازمة والصراع بينهما. وما اللجوء الى ادراج استجواب رئيس الجمهورية على جدول اعمال البرلمان، مبدئيا، سوى احد التعابير السياسية لما وصلت اليه هذه المواجهة. وهي تأتي على العكس او متجاوزة لتوصيات المرشد الاعلى الذي ذهبت ارادته قبل اشهر الى نصيحة النواب الجدد المتحمسين لاخراج موضوع استجواب الرئيس من التداول، مؤكدا ان على الحكومة ان تتولى وتقوم بمسؤوليتها حتى اخر يوم من عمرها الدستوري. 

عودة القوى المحافظة، خاصة البرلمان الذي نسيطر عليه، وعدم الالتزام بالتوجيه الذي صدر عن المرشد الاعلى، يدخل ايضا في اطار حسم الامور في الامتار الاخيرة قبل الانتخابات الامريكية، اي محاولة هذه القوى استجماع الاوراق والقبض عليها قبل معرفة هو الرئيس الامريكي المقبل، من خلال سلب روحاني اي شرعية دستورية وقوة قانونية تسمح له القيام بأي خطوة على صعيد المفاوضات مع المجتمع الدولي في الاشهر الثمانية الاخيرة من رئاسته. ما يعني ان هذه القوى ومعها غرفة القرار في الادارة العميقة للنظام تسعى للحفاظ على "الستاتيكو" القائم حاليا في العلاقة مع الولايات المتحدة بغض النظر عمن سيصل الى البيت الابيض، بانتظار حسم الرئاسة الايرانية التي باتت جميع القوى الايرانية من جميع الاطياف على شبه يقين انها ستكون من نصيب مرشح القوى المحافظة، الامر الذي يعطي هذه القوى حصرية الذهاب الى التفاوض تحت غطاء دستوري وشرعي وايديولوجي كامل وشامل وبالتناغم والتنسيق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ومباركة من القيادة العليا، تدعمها براغماتية عالية تعتمد مسوغ "الحفاظ على بقاء واستمرار النظام" مقابل بعض التنازلات التي يستدعيها "الدفاع عن بيضة الاسلام" حسب التعبير الفقهي والشرعي. 

وبات من المعروف لدى كل الاطراف الايرانية والامريكية ان اي مفاوضات مقبلة بين الطرفين ستدور حول ثلاثة ملفات اساسية هي اعادة انتاج اتفاق حول الملف النووي والبرنامج الصاروخي وما يشكل من تهديد لحلفاء واشنطن في منطقة الشرق الاوسط، والملف النفوذ الاقليمي لايران ودورها في العديد من بلدان المنطقة والأذرع التي تتحالف معها. الا ان اي ادارة امريكية متجددة مع ترمب او جديدة مع الديمقراطي جو بايدن، ستضع ملفا محورا على طاولة المفاوضات هذه المرة، هو ملف تطبيع العلاقات بين الطرفين، أي ان واشنطن ستذهب باتجاه الضغط على طهران والنظام لانهاء حالة التردد والتعنت في اعادة فتح العلاقة المباشرة الدبلوماسية والسياسية بينهما، خاصة وان المفاوضات السابقة التي قادتها ادارة الرئيس السابق باراك اوباما حققت خطوات متقدمة في هذا الاطار تولى القيام بها وزير خارجيته جون كيري مع نظيره الايراني محمد جواد ظريف، ولم تتطور طبيعتها الى خطوات عملية لاستكمال آلية بناء الثقة المتبادلة بينهما، الا ان القيادة الايرانية عرقلت هذا المسار وتطويره واكتفت بالحصول على الاتفاق النووي كمرحلة انتقالية بانتظار اختبار جدية واشنطن في التخلي عن مواقفها من النظام وسياسة تغييره او ازاحته. 

وفي هذا الاطار، فان اوساطاً ايرانية تعتقد بامكانية التوصل الى تفاهم مع الرئيس دونالد ترمب في حال فوزه  بالانتخابات والتجديد له في البيت الابيض، فهو يريد استثمار النتائج التي ترتبت على حزم العقوبات التي فرضها على ايران. اي الانتقال من حالة الهجوم الى مرحلة توظيف وترجمة النتائج، وهذا يستدعي منه فتح منافذ أمام الطرف الايراني للانتقال من حالة المواجهة الى القبول بالتفاوض والجلوس على طاولة المباحثات وفتح جميع الملفات.

في المقابل، فان المراهنين على خروج ترمب وانتقال السلطة الى الديموقراطيين ستكون في الشكل اقل احراجا للنظام الايراني خاصة في ما يتعلق بالشرط الاساس الذي وضعته القيادة الايرانية لاي عملية تفاوض ويتلخص بعودة واشنطن عن قرارها الانسحاب من الاتفاق. الا ان ما بعد هذا الشرط سيكون اكثر احراجا في المضمون للقيادة الايرانية، اذ لن يكون لطهران الافضلية في تحديد تفاصيل اللائحة الطويلة من المطالب والشروط التي سيضعها بايدن امام اي مفاوض ايراني وتمس الكثير من الجوانب التي رفضت طهران على مدى العقود الماضية ان تقترب من مجرد البحث حولها، وتقاوم أي مقاربة لهذه الملفات من اي جهة داخلية او خارجية، وفي مقدمتها موضوع تطبيع العلاقات. 

الا ان المسلمة التي قد تشكل اجماعات لدى جميع المكونات الايرانية الاصلاحية والمحافظة، ولدى النظام والمعارضين له في الداخل والخارج، هي ان النظام الاسلامي سيكون امام واحد من خيارين، ولا بد له ان يتحمل المسؤولية التاريخية والانسانية في القرار الذي سيتخذه والاتجاه الذي سيسير به بناء على الخيار الذي سيعتمده. فاما ان يبقى اسير الماضي، اي الاستمرار في حالة العداء والمواجهة مع واشنطن، خاصة في حالة التجديد لترمب في الرئاسية، اي اللعب على حبل رفيع بين الانهيار والانفجار الداخلي وما فيه من مخاطر وتهديدات تطال جوهر وجوده، او الذهاب للتمسك بسياسة الصمود امام العقوبات الاقتصادية والاثار المدمرة لها على الوضع الداخلي وحياة المواطن اليومية وهي ايضا تضعه أمام خيار الانفجار. 

اما الخيار الاخر، الذهاب الى السلام من اجل الجميع، وهو الخيار الذي يضمن للنظام المقومات الاساسية للاستمرار والبقاء وقطع الطريق على جميع احتمالات الخطر التي تهدد وجوده، فإنه سيفتح الطريق امام الدخول في تسويات شاملة لا تقف عند حدود الملفات الخلافية المطروحة على الطاولة للتفاوض، ما يساعد ايران على تجاوز كل التحديات التي تواجهها ويساعد على عودتها الى المجتمع الدولي كعنصر فاعل وقادر على لعب دور وشراكة تحت غطاء من المجتمع الدولي. وهي مسارات على النظام الايراني ان يختار بينها بكثير من الجرأة وما فيها من مسؤوليات. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها