آخر تحديث:08:13(بيروت)
الثلاثاء 20/10/2020
share

روسيا وثورة اللبنانيين

بسام مقداد | الثلاثاء 20/10/2020
شارك المقال :
روسيا وثورة اللبنانيين
لم تكن ثورة اللبنانيين المحكومة بالإستمرار بأشكال وصيغ ، لا بد أن تتبلور في مسارها الطويل والصعب ، بحاجة إلى حفل التأبين ، الذي أقيم في سنويتها الأولى . بالطبع ، ليس الكل جاء إلى تأبين الثورة ، بل الغالبية جاءت تحتفي بسنوية الوليد المحكوم بحياة مديدة ، أصدقاؤه فيها قلة ، وأعداؤه كثر ، كما شقيقته الكبرى الثورة السورية . 

روسيا ناصبت ثورة اللبنانيين العداء منذ انطلاقتها ، ووصفتها بأنها "صراع جديد في الشرق الأوسط يهدد مصالح روسيا" ، وأخذت تبحث عن المحرك الخارجي لها ، إذ يستحيل على الكرملين أن "يصدق" أن شعباً يمكن أن يثور على واقعه ، وينتفض بوجه المتسلطين على مصيره وحريته وخبزه . والكرملين لا يصدق ، ليس من سذاجة هو أبعد ما يكون عنها ، بل من تجربة مريرة مع ثورات شعوب الفضاء ما بعد السوفياتي ، التي قامت جميعها ، من دون استثناء ، ضد الحكام الذين بقوا على ولائهم له . وكان لكلٍ من هذه الثورات زهرة اكتسبت إسمها أو إسم لونها ، من ثورة الورود  إلى ثورة الأقحوان إلى الثورة البرتقالية وسوى ذلك ، ولذا سُميت بالثورات الملونة ، وألحقت روسيا حتى ثورة الأرز اللبنانية العام 2005 بهذه الثورات . 

لروسيا تعريفها الخاص للثورة الملونة ، التي تضعها في مواجهة الثورة الكلاسيكية ، وتحملها كل السلبيات ، التي ترافق عادة الثورة الكلاسيكية ، مـــــــــــــن فوضى ودمــــــــــار وقتل . فقــــــــــد كتب فـــــــــــــي مـــــــــــوقــــــــــع " grodnonews" أحد المنضوين تحت لواء هذا الفهم للثورة الملونة ، رئيس قسم البوليتولوجيا في جامعة مدينة غرودنو ، دكتور العلوم السياسية البروفسور فيكتور فاتيل "تدمير لا بناء : الدروس المرة للثورات الملونة"" . يقول الرجل أن مصطلح "الثورة الملونة" ظهر على موجة تأزم العمليات الإقتصادية والسياسية العالمية والصراع  المحتدم بين الدول الكبرى لإعادة تقسيم العالم . ويعتبر أن التجربة الأولى لهذه الثورات كانت مع "ثورة الجرارات" في الصرب ، ثم تبعتها الثورات الملونة في الجمهوريات السوفياتية السابقة ، وثورة الأرز في لبنان ، ومن ثم أحداث الربيع العربي بين العامين 2010 و 2011 ، وأخيراً الصدامات الدموية المستمرة حتى يومنا هذا في كل من ليبيا وسوريا . 

ويرى ، بأنه على الرغم من تعدد ألوان هذه الثورات ، إلا أن ممارساتها تشير إلى أنه يجمعها سياق موحد ، وسيناريوهات وعواقب إجتماعية تتمثل بما يلي :  إبتزاز صعوبات التغيير ، الأعمال المتطرفة مع التوجه للإنقلاب على الدولة ، تخريب الإقتصاد وتخفيض مستوى حياة السكان ، النزاعات اللاحقة في المجتمع ، التي ليس نادراً ما تتطور إلى بؤر حرب أهلية ، إدارة أجنبية مباشرة أو متخفية .

ويعتبر البروفسور أن الأهداف الحقيقية "للثورات الملونة" تتمثل في برامج تفصيلية معدة لتدخل طرف ثالث في الشؤون الداخلية ، بهدف زعزعة النظام السياسي وتغييره لصالح هذا الطرف . وتنفيذ هذه البرامج يتم عن طريق  اعتماد تكنولوجيات لتشويه صورة النخبة السياسية الوطنية وقيادة الدولة في الوعي الإجتماعي ، ونشر نماذج سلوك إحتجاجية متطرفة ، وتعميم قيم ورموز ومثل عليا ، تختلف عن تلك التقليدية في المجتمع المعني , وتسعى المجموعات المنسقة في ما بينها إلى زعزعة الوضع في البلاد ، وتوسيع التأثير السلبي في الإعلام بغية ضرب هيبة السلطات ، وتسويد صورة مسؤولين محددين وشخصيات عامة ومسؤولي الأجهزة الأمنية . وغالباً ما تًنفذ الاستفزازات السياسية في مرحلة الحملات الإنتخابية ويوم الإنتخابات بالذات. 

تلك هي المواصفات ، التي يراها الكاتب في " الثورات الملونة" ، التي يُلحق بها " ثورة الأرز" وضمناً "ثورة أوكتوبر" الراهنة ، وهي مواصفات تبرر كلياً مخاوف الكرملين من هذه الثورة  ومن تهديدها لمصالحه . 

وسبق لوكالة نوفوستي أن تناولت "ثورة أوكتوبر" اللبنانية الراهنة في نص مطول بعنوان "دولة فقدت أهليتها ، فهل تُنقذ الثورة لبنان" ، استعرضت فيه الظروف المحيطة بالثورة وأزمات لبنان المستفحلة ، التي تدفع اللبنانيين إلى الإنتفاض والمطالبة بإسقاط الطبقة الحاكمة. وتنقل كاتبتا النص عن أحد الخبراء الروس قوله ، بأن القرار في لبنان تمسك به 25 عائلة مازالت تتمسك بالسلطة منذ 150 سنة ، وترفض التخلي عن مواقعها وتقاسم السلطة "مع أي كان ، سوى مع أترابها" . 

وتخلص نوفوستي إلى الإستنتاج ، بأن الحل الفعلي لمشاكل لبنان يتطلب إرادة سياسية لا تتوفر في الجيل الحالي من قادة البلاد . وليس لدى المنتفضين بدورهم لا برنامج محدداً ولا زعماء . وليس بمقدور اية حكومة ، سواء الحالية أو الجديدة ، أن تعتمد أي شيئ يحسن الوضع جذرياً ، في ظل الركود الإقتصادي العالمي . 

المجلس الروسي للعلاقات الدولية اختار الإيطالي أميليانو ستورنيللي ، مؤسس ومدير "مجلس الأمن وشؤون الأديان" في إيطاليا ، للحديث عن أزمة لبنان وثورته ، وأجرى معه مقابلة بعنوان "لبنان يمر بنفق مظلم ، نهايته غير مرئية" . لا يلصق الإيطالي صفة "الثورة الملونة" بثورة اللبنانيين ، لكنه يضع كلمة ثورة بين مزدوجين ، ويرى أن العودة إلى الحرب الأهلية غير محتملة "حتى الآن" ، ومعظم اللبنانيين يرفضون مثل هذا السيناريو ، وهم يريدون ، ببساطة ، أن يعيشوا حياة "طبيعية" . 

وعن تأثير النظام الطائفي اللبناني على الأزمة ، يقول الإيطالي ، أن أحد المطالب الرئيسية "للثورة" يتمثل  في إسقاط الهيكل المؤسساتي والإداري القائم على الإنتماء الديني للبنانيين . ويهدف المنتفضون إلى إقامة دولة مدنية وديموقراطية على الطراز الأوروبي ، ترتكز إلى مقولات المواطنة وأولوية القانون ، وبصدر هذا النزوع المشروع عن الجيل الجديد  ، بالدرجة الأولى . ويستدرك الرجل بالقول إلى أنه لا يمكن أن تنسب جميع العيوب والإخفاقات ، التي أركعت لبنان ، إلى  "ما يسمى بالطائفية ، كما هي" ، حيث أن الفساد والمحسوبية واللامبالاة بالصالح العام ، يمكن أن توجد في أي نموذج من أنظمة الدولة والمجتمع . أما بالنسبة للبنان ، فإن الإدارة السيئة جداً لشؤون الدولة ، هي السبب لغياب النمو في البلاد ، على الرغم من القدرات الهائلة ، التي تمتلكها . 

يرفض الإيطالي إرجاع كل علل لبنان إلى الطائفية ، ويقول بان الأحزاب السياسية غير الطائفية ، التي يمكن أن تحل مكانها ، يمكن أن تتحول هي نفسها إلى طوائف "علمانية" يقودها زعماء يهادنون الفساد والمحسوبية واللامبالة بالصالح العام ، وينشأ ما يسمى بنظام "الحزبية" (partitism) بدل الطائفية ، أو "حزبقراطية" ، حيث يلعب الحزب السياسي دور الطائفة ، كما كان عليه الأمر في إيطاليا منذ حوالي 60 عاماً مضت . 

وعن مستقبل الثورة يقول الإيطالي، بان الثورة كانت منذ البداية مستبعدة من العملية السياسية ، بالرغم من التأييد الجماهيري الهائل لها ، وسوف تبقى كذلك في المرحلة الراهنة ، على الأغلب ، مجردة من إمكانية التاثير في مسار الأحداث . وموجة الإحتجاجات والضغط من قبل المثقفين والعلماء والصحافيين والمهنيين ، لم تساعد على إجراء اي إصلاح ، أو اتخاذ التدابير الضرورية للحصول على مساعدات أجنبية. ولن تتمكن أية حكومة في البنية السياسية الراهنة ، سواء كانت حكومة أغلبية أو حكومة وحدة وطنية ، من إجراء التغييرات ، التي تطالب بها الثورة .  وثمة من يؤيد فكرة إنشاء حزب سياسي يجسد روح "الثورة" والرؤية الحديثة لمستقبل لبنان ، إلا أن مثل هذا الحزب لن يتمكن في المستقبل القريب من الإنخراط في العملية السياسية ، لأن الإنتخابات النيابية مقررة في العام 2022 ، والإنتخابات المبكرة ليست في صالح الأطراف الرئيسيين ، لذلك يبقى معلقاً سؤال "ما العمل" .


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب