آخر تحديث:10:03(بيروت)
الخميس 15/10/2020
share

التقسيم كخيار لبناني يدين الثورة

ساطع نور الدين | الخميس 15/10/2020
شارك المقال :
التقسيم كخيار لبناني يدين الثورة
لم تكن هناك خطوة الى الامام تليها خطوتان الى الوراء، حسب مقولة الراحل الكبير لينين. إذ ليس هناك اليوم سوى خطوات متسارعة الى الخلف. كأن ما جرى قبل سنة، كان وصفة للكارثة، التي لا تنفك تكبر.

الأدلة لا تحصى على إخفاق ثورة 17 تشرين الاول / اكتوبر العام 2019، وهي تكاد تدحض فكرة الثورة نفسها، وتحيلها الى فورة غضب شعبية عابرة، لم تدم أكثر من ثلاثة أيام، أسقطت عليها صفات مبالغ بها مثل الجمع الوطني الاول الذي لا يكتفي بعبور الحواجز الطائفية بل يزيلها كلياً، ولا ينتظم بالفوارق السياسية والطبقية والاجتماعية والثقافية بل يحطمها، ويضع أسساً عصرية حديثة لبناء لبنان الدولة والمجتمع.   
  

لم يكن ذلك المشهد كله مفتعلاً أو متوهماً. ثمة قدر قليل من الصواب وقدر أكبر من الحماسة، والرغبة الصادقة في التغيير. لكن المعضلة التي ظهرت على الفور، هي أن الحشد كان أكبر من أن ينظم وينتظم، لقصور في الوعي وفي الثقافة، وبالتالي في التجربة السياسية للجيل الجديد، الذي ظنّ أن هيئات المجتمع المدني هي النموذج الأمثل والأوحد، مع أنها في الأصل بديل السياسة ونقيضها.

أنتج هذا المشهد، أو على الأقل ساهم في إنتاج واحدة من أسوأ الازمات في تاريخ لبنان، عندما لم يتقدم خطوة واحدة فقط نحو سد الفراغ الشديد الذي تعانيه السلطة، والتحلل المديد للدولة ومؤسساتها، والتغول المخيف للقطاع المصرفي، وما ينجم عنه من عمليات النصب والاحتيال التي ينفذها القطاع التجاري يومياً، ما يهدد البلد بمجاعة تشبه تلك التي شهدها في العشرية الثانية من القرن الماضي.

يمكن ان تغتفر كل الذنوب التي إرتكبتها "الثورة"، على مدى العام الماضي، عدا ذنباً واحداً هو بكل المقاييس الأكبر والأخطر، وإن كان البعض ينسبه الى ما يسمى ب"قوى السلطة" أو "الثورة المضادة" التي يقال أنها إستخدمت مختلف أسلحتها لتنهي تلك "الثورة".. برغم أن أرقام الضحايا  من الثوار لا تذكر، ولا تقارن مع أي من الثورات، "السلمية" التي شهدتها بقية دول العالم، لا سيما منها دول الربيع العربي.

الثورة التي هزت لبنان في ثلاثة أيام، وفضحت عري السلطة وفراغها، وكشفت زيف المعارضة (التقليدية) وهزالها.. أسفرت في الاسابيع القليلة الماضية عن ظاهرة في منتهي الحساسية والخطورة: الحديث الهامس ثم العلني ، في البيئة المسيحية، التي كانت رائدة الثورة وطليعتها، عن خيار التقسيم، الذي كان يفترض أنه كان محظوراً في الحرب الأهلية، ثم أصبح محرّماً بعدها.. الى أن بدا في 17 تشرين الاول الماضي، كأنه لم يكن وارداً أبداً في بال أحد من اللبنانيين.

الخرائط تكثر يوما بعد يوم، والعرائض تتسرب بين الحين والآخر، وكذا الافكار والأراء، التي تتداولها نخب مسيحية أكاديمية وثقافية وسياسية، والتي تشطب من الذاكرة ذلك المشهد المهيب الذي جمع أكثر من نصف اللبنانيين في الساحات، وتعلن أن المجتمع اللبناني مفككٌ أكثر بكثير مما بدا في الخريف الماضي، وتؤكد ان هجرته أو الإنفصال عنه هو الخيار الوحيد.

لم يعد الامر مجرد إجتهاد فكري، أو ترف ثقافي مبالغ به. لكنه لم يصل بعد الى حد التأثير على المؤسسات الدينية والاحزاب المسيحية، التي أقرت علناً أنها تقاوم هذه الظاهرة وتمنع تحولها الى خطاب سياسي عام، يشبه ذلك الذي أطلق في ذرى الحرب الأهلية وإستند الى نظرية "الشعب المسيحي"الذي يريد ويستحق دولة مستقلة..وحظي بدعم إسرائيلي لا شك فيه.

البطريركية المارونية تقاتل الظاهرة، ربما بسلاح الحياد الايجابي الذي طرحه البطريرك بشارة الراعي، وكذلك يقاتل التيار العوني والقوات اللبنانية وحزب الكتائب، وغيرها من الأحزاب التي خرجت من الحرب الاهلية بخسائر فادحة، على جميع المستويات. لكن الجمهور، بعضه على الاقل، ما زال متمسكاً بالفكرة ويريد ان يجرب حظه مرة أخرى. خصوصاً وأنه لا يجد من الجمهور المسلم مقاومة حقيقية لذلك الخيار، الذي لا دليل يتيح أن ينسب الى مؤامرة إسرائيلية أو خارجية ما.

لا أحد يعرف بالضبط، كيف ومتى تنامت هذه الظاهرة الجديدة. اليأس المسيحي من المسلمين كان وسيبقى ثابتاً ، فهم إما سنّة ينتجون أسوأ أنواع الارهاب، أو شيعة يهددون بقاء البلد. وكلاهما لا يحترم الدولة ولا القوانين ولا الاعراف، بقدر شركائهم في الوطن. هل من حدث أمني أو سياسي أدى الى إنبعاث خيار التقسيم؟ هل هو الضيق الاقتصادي والمالي؟

الظاهرة  محدودة حتى الآن، لكنها مخيفة فعلاً، حتى ولو كانت تعبيراً عن إحتجاج داخلي (نخبوي) على التيارات والأحزاب المسيحية التي أساءت التمثيل والتدبير والتقرير، وهي تقود المسيحيين الى حتفهم، بسرعة تفوق قيادة الاحزاب والحركات "المسلمة"، جمهورها المسلم نحو الهلاك.

الثورة، أو بالاحرى فشلها المدوي، مسؤول عن هذه الظاهرة، التي ولدت من رحم تلك الحقبة السوداء التالية للايام الثلاثة المشرقة التي هزّت لبنان في الخريف الماضي.     


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ساطع نور الدين

ساطع نور الدين

رئيس تحرير جريدة المدن