آخر تحديث:08:50(بيروت)
الأحد 11/10/2020
share

إيران:عقوبات الفرصة الاخيرة

حسن فحص | الأحد 11/10/2020
شارك المقال :

لم يخف وزير الخارجية الامريكية مايك بومبيو الهدف النهائي الذي تسعى له واشنطن من الاستمرار في سياسة التصعيد الاقتصادي ضد النظام الايراني وفرض المزيد من العقوبات لاجبار طهران على العودة الى طاولة المفاوضات، بقوله ان سياسة تضييق الطرق امامها للالتفاف على هذه العقوبات ستستمر حتى تحقيق هذا الهدف. الاجراء الاخير بفرض عقوبات ضد 18 مصرفا ايرانيا في الايام الاخيرة والتي تضاف الى عقوبات مماثلة طالت البنك المركزي والبنوك الرئيسة الاساسية تمت في وقت سابق، يعتبر في الشكل استكمالاً وامتداداً لسياسة العقوبات ويصب في سياق الهدف الاستراتيجي للبيت الابيض لعقد صفقة جديدة مع طهران لا تقتصر على البرنامج النووي، بل تتعداه الى جميع الملفات الخلافية ان كان على صعيد البرنامج الصاروخي او التمدد الايراني والنفوذ الاقليمي في اكثر من عاصمة في الشرق الاوسط وغرب آسيا. 

يمكن القول ان الحزمة الاخيرة من العقوبات الامريكية تعتبر "عقوبات الفرصة الاخيرة" التي تستطيع ادارة الرئيس الامريكي دونالد ترمب فرضها على النظام الايراني قبل موعد الانتخابات الرئاسية في الثالث من نوفمبر المقبل، ولن يوفر ترمب وفريقه اي ورقة داخلية او خارجية في تعزيز موقفه الانتخابي من خلال السعي لتحقيق انجاز حقيقي وهذه المرة على مسار الازمة مع النظام الايراني والقرار المفصلي الذي اتخذه عام 2018 بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي جرى التوقيع عليه بين ايران ومجموعة دول 5+1 في الرابع عشر من تموز /يوليو 2015. 

الايام العشرون الفاصلة عن موعد الانتخابات الرئاسية الامريكية تبدو انها ايام فاصلة امام الضغوط الامريكية لتحقيق اي خرق في الموقف الايراني الرافض او الممتنع عن الاستجابة لرغبة واشنطن في التوصل الى اتفاق جديد حول الاتفاق النووي تحت حراب العقوبات وحربها. من هنا فان الموقف الاخير للرئيس ترمب وحديثه عن امكانية التوصل الى مثل هذا الاتفاق مع طهران بعد انتصاره في الانتخابات وعودته الى البيت الابيض يعتبر خطوة على طريق التعامل بواقعية مع الازمة بينه وبين القيادة الايرانية. 

في المقابل، فان القيادة في طهران، لا تبدو انها قادرة على خفض سقف الموقف التصعيدي الذي اعتمدته منذ ايار عام 2018 واعلان ترمب الانسحاب من الاتفاق، وهي لجأت الى سياسة تقليص التزاماتها وتعهداتها في شروط الاتفاق النووية التي جاءت في المادتين 26 و36 منه، في اطار استراتيجية التعامل بالمثل مع الادارة الامريكية وكورقة ضغط في وجه ما وصفته بتقاعس الشريك الاوروبي (الترويكا الفرنسية الالمانية البريطانية الشركاء في الاتفاق) في تنفيذ تعهداتهم الاقتصادية والمالية بناء على مندرجات الاتفاق. الا ان الهدف الرئيس من هذه الاستراتيجية الايرانية تدخل في اطار حزم العقوبات الامريكية، انطلاقا من ادراك القيادة الايرانية ان الامور في النهاية سوف تذهب نحو تفاهم مع الادارة الامريكية، وان هذه الخطوات التي لجأت لها طهران يمكن استخدامها كورقة مقايضة بالعقوبات التي فرضتها واشنطن، وبالتالي التفاوض لعودة الطرفين الى ما قبل ايار 2018 من دون الدخول في مخاطر التفاوض على اصل الاتفاق الذي سبق ان تم التوصل اليه في عام 2015 وفتحها على ملفات اخرى رفضت طهران ان يتم التطرق لها بالتفصيل او وضع اطار مبدئي حولها في تلك المفاوضات وتتعلق بالبرنامج الصاروخي او النفوذ الاقليمي باستثناء موافقتها على حظر زمني محدد لشراء وبيع الاسلحة التقليدية الذي ينتهي في الثامن عشر من هذا الشهر تشرين الاول /اكتوبر 2020 وما يتعلق بتطوير برنامجها النووي السلمي بالتعاون مع الوكالة الدولية والمجتمع الدولي والذي ينتهي الحظر عليه السنة المقبلة 2021 . الا ان الموقف الايراني ازداد تعقيدا بعد تاريخ الثالث من كانون الثاني 2020 بعد اعلان الرئيس ترمب المسؤولية الشخصية والمعنوية عن عملية اغتيال قائد قوة القدس في حرس الثورة الاسلامية الجنرال قاسم سليماني في حرم مطار بغداد. الامر الذي ساهم في رفع جدار من العجز امام المفاوض الايراني في الدفع باتجاه فتح قنوات حوار مباشر او غير مباشر مع الادارة الامريكية لاخراج ايران من عنق الزجاجة التي وصلته بسبب العقوبات الاقتصادية الخانقة واثارها السلبية على الوضع المعيشي للشعب الايراني. وتدرك قيادة النظام والادارة الرسمية للدولة بان الهدف الامريكي الاستراتيجي من وراء ذلك العمل على اسقاط النظام من الداخل عبر الضغط الشعبي ودفعه للتحرك لاسقاط النظام بتأثير من الازمة الاقتصادية التي لم تنفع معها جميع المعالجات التي لجأت لها الحكومة ومؤسسات النظام. 

امام هذا المشهد الذي يبدو انه  يضع كلا الطرفين الايراني والامريكي على مفترق طرق لا تؤدي الى مخارج، تحاول فيه الادارة الامريكي اجبار خصمها الايراني على القبول بالعودة الى طاولة المفاوضات حول اساس الاتفاق النووي تحت حراب العقوبات الاقتصادية ومن دون التخلي عن اي من خطواتها التصعيدية، في حين ان طهران ترفض اي تنازل في هذا الاطار وتتمسك بشروطها التي تطالب واشنطن بالعودة الى الاتفاق النووي والغاء العقوبات التي فرضتها بعد عام 2018 كخطوة اولى على طريق اي تفاوض جديد حول ملفات اخرى، وهي تتمسك بهذا الموقف فضلا عن محاولتها فرض ارادتها على الوجود الامريكي في منطقة "غرب آسيا" ومساعيها لاجبار واشنطن على سحب قواتها المنتشرة في المنقطة من البوابتين العراقية والسورية. مستغلة وبناء على قراءتها الخاصة لسياسات واستراتيجيات البيت الابيض بعدم رغبة واشنطن بالدخول في مواجهات عسكرية ميدانية تهدد بها طهران وحلفاءها في المنطقة، فضلا عن حاجة واشنطن لمحاصرة التأثير الايراني الاقليمي من اجل تمرير اتفاقيات السلام التي تم التوصل اليها بين اسرائيل وبعض الدول العربية بأقل خسائر وسلبيات ممكنة. 

ما بين مساعي ترمب لتحقيق خرق تفاوضي على المسار الايراني قبل الانتخابات الرئاسية وان كان عبر استخدام سلاح العقوبات، وما بين تمسك طهران بشروطها ورفض هذه الضغوط، لا يبدو ان القيادة الايرانية وحسب الجدل الداخلي تعقد الكثير من الرهانات على امكانية حصول تغيير في الموقف الامريكي في حال عودة الديمقراطيين الى البيت الابيض، وان الجزرة التي سيقدمها المرشح جو بايدن في حال فوزه باعلان العودة الى الاتفاق النووي، لن تكون معزولة عن عصا الاحتفاظ بالعقوبات واستخدامها كوسيلة ضغط للحصول من طهران على تنازلات جديدة في مجالات اخرى تتعلق بالاقليم وحقوق الانسان والبرنامج الصاروخي. الامر الذي قد يعقد  المشهد امام الطرفين في حال اصرار اي منهما على الذهاب الى معادلة رابح وخاسر الذي يضع المنطقة على حافة التفجير، الا اذا توصلا الى تسوية تتزامن فيها التسويات التي تبعدهما عن الوصول الى حدود المواجهة. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها