آخر تحديث:09:35(بيروت)
الثلاثاء 07/01/2020
share

محور سليماني الذي لا ينهزم

عمر قدور | الثلاثاء 07/01/2020
شارك المقال :
محور سليماني الذي لا ينهزم
بحسب وعيد مسؤولي المحور الإيراني في طهران وبغداد والضاحية، الثأر لمقتل سليماني آتٍ، وسيكون مزلزلاً، بل سيقلب الأوضاع الاستراتيجية في المنطقة رأساً على عقب. بحسب أجواء المحور نفسه، وبحسب موقع المرشد خامنئي، نال سليماني ما سعى إليه منذ سنوات، المرشد تقدّم بأسمى آيات التبريك لصاحب العصر والزمان لمناسبة الاغتيال، وكأن القاتل الذي وصفه بـ"أشقى أفراد البشر على الأرض" قد نفّذ ما كان يصبو إليه القتيل، ورفعه إلى اللقاء الذي يصبو إليه، وأية حظوة أعلى من عناق سيد الشهداء في الجنة!

لم يتخلف ترامب عن مزاد الوعيد، وأنذر حكام طهران بقصف بنك أهداف مساوٍ لعدد الرهائن الأمريكيين الذين احتجزهم حكم الملالي المنتصر على الشاه. ربما هذه هي المرة الأولى التي يفصح فيها مسبقاً رئيس أمريكي عن تفاصيل ونوايا عسكرية، فلا يكتفي بما هو معلوم للجميع "باستثناء محور إيران!" عن قوة بلاده وقدرتها على إلحاق الدمار. يناسب هذا شخصية ترامب، الذي كان قد تباهى يوماً بأن لديه زراً نووياً أكبر مما لدى نظيره الكوري، مثلما يناسب الجعجعة في المقلب المقابل، وليست صورة المسيح وهو يحتضن ترامب التي روّجها أنصار الأخير سوى ردّ يشبه المهزلة على التراجيديا التي يبنيها نظراؤهم في الطرف الآخر.

بعيداً عن الجعجعة، هناك جهات نشطت فور تنفيذ عملية الاغتيال كي تؤول المواجهة إلى وضع "عقلاني" مقبول. من بين هذه الجهات قادة أوروبيون سعوا من قبل إلى الإبقاء على الاتفاق النووي، وقادة إقليميون لعبوا دور الوساطة سابقاً بين طهران وواشنطن. الاتفاق المرجو من قبل الوسطاء ألا ترد طهران على العملية الأمريكية، أو ألا يطاول الرد الأمن القومي الأمريكي مباشرة بحيث يستدعي المواجهة. ما يشجع الوسطاء تلك القناعة العامة بأن ترامب لا يريد مواجهة كبرى، وأن طهران خارج إدمانها على الشعارات الكبرى لا تريد خوض حرب يُنتظر أن تكون باهظة جداً.

لا ننسى وجود قناعة لدى عشّاق "النظام" في الغرب، ومنهم نسبة كبيرة من الحزب الديموقراطي الأمريكي، مفادها أن طهران رعت ومارست وتمارس الإرهاب، لكنه ذلك الإرهاب المضبوط الخاضع لنظام هرمي، والذي يمكن التفاوض معه بخلاف تنظيمات الإرهاب السني المنفلتة. ذلك يجعل الخلاف مع حكام طهران قابلاً للتفاوض، ومحصوراً في تفاصيل استخدامها الإرهاب والساحات المسموح بها، وبما لا يتعارض مع المصالح الغربية، إذا لم يكن في الأصل ضمن المصالح المشتركة استراتيجياً. من المرجح أن طهران، كرمى لسليماني، لا تريد خسارة هذه الوضعية التي أتاحت لها مكاسب إقليمية جمة، مكاسب لم يُتح مثلها للشاه الذي كان يلقّبه البعض بشرطي المنطقة.

جمهور المحور الإيراني المتلهف إلى الثأر يمكن تهدئته بالطريقة التي تمت تعبئته بها، فهو جمهور اعتاد التكهن بوجود حكمة دائمة لدى قياداته، من دون التساؤل عن ماهيتها أو صلاحيتها. ربما أيضاً، بعيداً عن الاستعراض، لا يود هذا الجمهور حدوث مواجهة كبرى يكون وقودها، أي أنه بوعي أو بلا وعي يتواطأ مع قياداته على امتصاص الإهانة الأمريكية. لن يوجد نصر "إلهي" مفوَّت لدى هذا الجمهور، فهو سيعثر عليه حتى إذا اكتفت طهران بتوجيه ضربات إلى الذين تعتبرهم حلفاء لواشنطن في المنطقة، رغم حدوث مثل هذه الضربات قبل أشهر وبقائها من دون رد أمريكي.

أما إذا أخذنا فرضية التصعيد، فالانتصار فيها مضمون أيضاً وفق المعطيات الحالية. إذا حدث اعتداء مثلاً على قاعدة من القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وسقط فيها عدد من الجنود، فمهما كانت قسوة الرد الأمريكي ستتوجه الأنظار إلى الخسارة الأمريكية ولو لم تكن متناسبة مع الخسارة الإيرانية الجديدة. هنا استئناف لفلكلور معروف في المنطقة، يُعتبر فيه الأذى الذي يوجه للخصم ثميناً ولو كان بسيطاً، في حين يُستهان بالأذى الذي يوقعه هو مهما كان باهظاً. لنقارن على سبيل المثال بين الخسائر الإسرائيلية في كافة حروبها، على صعيد الأرواح والمنشآت، ونظيرتها العربية، وكيف أمكن التباهي بالانتصار على إسرائيل في العديد من الجولات، ولو تحت زعم أنها لم تحقق ما كانت تريد تحقيقه!

الحق أن المحور الإيراني يمتلك قوة لا يمتلكها ترامب، وفرصه في تحقيق النصر أعلى. لدينا حرب لامتكافئة، جانب منها يتعلق بكيفية تعامل كل طرف مع الخسائر، فترامب لا يملك القدرة على الاستهانة بأرواح الأمريكيين، وإذا أضمر الاستهانة في قراراته هناك رأي عام وكونغرس وصحافة لا يغض واحد منها النظر عن الخسائر. بهذا المعنى، لا أهمية قصوى من جهة حكام طهران لبنك الأهداف الذي يلوّح بقصفه، إذا استثنينا محاولتهم الاستفادة من القصف لشدّ عصب جمهورهم وامتلاك شرعية لدى شرائح أخرى، من القوميين على نحو خاص، فضلاً عن كونها فرصة لممارسة المزيد من القمع إزاء المعارضين بحجة الأمن القومي الذي يتعرض للخطر.

في أقسى الاحتمالات، وهذا لن يحدث، لا يضير الفئة الحاكمة أن تبقى في السلطة، ولو كانت عرشاً فوق دمار البلد. هذا هو السلوك النموذجي الذي شهدناه لدى أنظمة مشابهة، ورأينا كيف ترى في بقائها انتصاراً. جوهر قوة هذه الأنظمة هو استبطانها عدم وجود عدم نية لتغييرها، وإثر اغتيال سليماني كان ترامب واضحاً بإعلانه عدم نيته خوض حرب وعدم نيته تغيير النظام في طهران. ومن المستبعد ألا يعرف صناع القرار في واشنطن أن كل ما دون تغيير النظام قابل للتحمل لدى حكام طهران، أي أن العتبة الأدنى للانتصار مضمونة وفق هذه التطمينات.

لقد تنبأ كتّاب ومنظّرون مع نهايات القرن الماضي بأن حروب المستقبل هي حروب ذكية، قادتها العسكريون يجلسون أمام لوحات من الأزرار، وكذلك حال خصومهم، والطرف الخاسر يعلن هزيمته قبل الضغط على الأزرار لمعرفته بتفوق خصمه. ذلك التصور عن حروب تُخاض افتراضياً ويمتنع اندلاعها واقعياً لا يتطلب فقط ذكاء اصطناعياً متماثلاً على صعيد التسليح، وإنما يتطلب تكافؤاً بين الخصمين على مستوى إخلاص كل طرف لمصالح شعبه. ثم إن جميع الفرضيات والنظريات الغربية تبقى قاصرة إزاء عقل يرى الانتصار محتماً ولصيقاً بوجوده، بينما تنتفي أية قرابة بينه وبين العقلانية التي يسبغها الغرب عليه، أو يتوق إلى أن يتحلى بها قليلاً. يتباهى أنصار المحور الإيراني باستعدادهم للشهادة، والحق أن هذا الاستعداد ينسف كافة النظريات المعهودة عن الحروب وعن السياسة، طالما بقي مصنع الشهداء موجوداً ومستمراً في إنتاجهم. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عمر قدور

عمر قدور

كاتب روائي سوري

مقالات أخرى للكاتب