آخر تحديث:09:00(بيروت)
الأحد 05/01/2020
share

قاسم سليماني..نهاية حقبة

حسن فحص | الأحد 05/01/2020
شارك المقال :
قاسم سليماني..نهاية حقبة إيرانيون يرفعون صورة لسليماني في تظاهرة مؤيدة لروحاني (غيتي)
في الصراعات السياسية او العسكرية قد يكون من الصعب على طرفي المعركة التنازل عن بعض الشروط التي تمهد  الطريق امام فتح باب التفاوض والتفاهم والتسوية قبل ان يستطيع واحد من الطرفين تحقيق انجاز ميداني يسمح له اما القبول بالجلوس الى طاولة المفاوضات من دون ان يكون من موقع المهزوم، واما ان يذهب الى التفاوض من موقع المنتصر الذي يريد ان يفرض ارادته على الطرف الاخر، وقد لا يعني ان الطرف الذي يمتلك القدرة والقوة المتفوقة صاحب الخيار في تحديد المنتصر والمهزوم، لان هذه الاحكام العسكرية ستكون نسبية بالنظر الى ساحة الصراع وما يمكن ان يحصل عليه المهزوم من نتائج سياسية وميدانية. 

ميدانيا، وصلت المنطقة الى حائط مسدود في الصراع بين الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية، خصوصا بعد قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي والعودة الى سياسة فرض العقوبات الاقتصادية ضد ايران وجدول الاثني عشر شرطا التي حددها وزير خارجيته مايك بومبيو لاي عملية تفاوض مع ايران وتضمن لواشنطن تعديلا جوهريا على الاتفاق الذي سبق ان وقعته ادارة الرئيس السابق باراك اوباما وتحجيما حقيقيا لشبكة نفوذها السياسية والعسكرية والامنية في الاقليم. وما رافق هذا المسار من تصعيد في التوتر السياسي والعسكري الذي وصل الى مستوى وضع المنطقة على حافة الاشتعال والحرب المدمرة. 

القرار الامريكي باخراج قائد قوة القدس في حرس الثورة الاسلامية الجنرال قاسم سليماني من المعادلة باغتياله مباشرة، وهو الذي يعتبر مهندس الدور الايراني الخارجي غير الدبلوماسي والذي يتجاوز الاقليم في العلاقة مع "حركات التحرر" حسب التعريف الإيراني، يعني ان سيد البيت الابيض قرر انهاء ووضع حد لمرحلة التعايش بينه وبين الوجود الايراني في المنطقة والتي كان سليماني احد اركان التفاهم غير المعلن حولها بطرق غير مباشرة، من خلال دوره الذي مثل ضابط الايقاع والحارس للخطوط الحمراء والحريص على عدم تجاوزها من اي من الاطراف المشتبكة في المنطقة خصوصا الاسرائيلي، والابقاء على قبضته ممسكة بقوة بالقرار العسكري والاقليمي ومنع الانجرار وراء المواقف الانفعالية، وذلك في اطار استراتيجية الصبر التي وضعها لرسم وترسيخ وتعزيز الدور الايراني في الاقليم.

اخراج سليماني من المشهدين الايراني والاقليمي، قد يكون نهاية حقبة ارست قواعد اشتباك بين الوجود الايراني والمصالح الامريكية على صعيد منطقة غرب آسيا، قواعد تقوم على ضبط خطوط التعامل مع المستجدات الميدانية ومصالح الاطراف في رسم حدود نفوذ كل اللاعبين في اطار التفاهمات التي تشترك بها القوى الفاعلة على الارض.  وهنا لا بد من الاشارة الى ان الادارة الايرانية اعادت قبل نحو عقد من الزمن تعريف التسميات الجغرافية في وزارة الخارجية، وتبنت التسميات المعتمدة لدى العواصم الكبرى خصوصا الخارجية الامريكية، بحيث تخلت عن تسميات الشرق الاوسط وشبه القارة الهندية وآسيا الوسطى وشمال افريقيا وحولتها الى دوائر تحت مسمى منطقة غرب آٍسيا، ما يعني انها ذهبت الى استخدام لغة التقسيمات الجغرافية التي تفهمها الادارة الامريكية. 

لا شك ان اغتيال سليماني امريكيا، يعني بداية حقبة جديدة على انقاض الحقبة السابقة، وبالتالي فان طهران باتت مجبرة امام الاجراء الامريكي الذي خرق كل التفاهمات الدقيقة التي رسمها الجنرال الايراني، ان تعيد ترتيب أولوياتها وارساء قواعد اشتباك جديدة في علاقاتها بين مصالحها الاقليمية وحتى الداخلية وبين المصالح الامريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة، خصوصا وان طهران تؤكد ان سليماني وعلى العكس من الروايات التي سادت في الايام الاخيرة بعد احداث يوم 31 ديسمبر كانون الاول 2019 والحصار الذي تعرضت له السفارة الامريكية في بغداد، كان يهدف من زيارته غير المكتملة للعاصمة العراقية اعادة ضبط الامور واستيعاب التداعيات التي أفرزتها هذه التظاهرات والخرق الذي حصل في حدود  التعامل بين النفوذ الايراني والمصالح الامريكية. وبالتالي فانها تقف الان – اي ايران- على اعتاب تحول استراتيجي باتت فيه مجبرة على الذهاب الى الرد على العملية الامريكية والتخلي عن الصبر الاستراتيجي الذي اعتمدته في التعامل مع الضغوط الامريكية من اجل الحفاظ على استمرارية نفوذها ومصالحها في المنطقة، والانتقال من امكانية التفاهم على حدود المصالح مع واشنطن مقابل انسحابها العسكري من المنطقة خصوصا من العراق وسوريا، الى اعتماد خيار المواجهة العسكرية المفتوحة واجبار واشنطن على التخلي عن هذا الوجود والعودة الى قواعد الاشتباك التي سبقت الانسحاب الامريكي عام 2011، اي العودة الى تفعيل العمليات العسكرية ضد قواعد ومراكز انتشار الجيش الامريكي على الاراضي العراقية والسورية من دون الاخذ بعين الاعتبار الاثمان التي قد تدفعها جراء الذهاب الى هذا الخيار. 

التغريدة التي أطلقها المرشد الاعلى للنظام الايراني والتي اقتصرت على "بسم الله الرحمن الرحيم" تعني ان القيادة الايرانية بمختلف مستوياتها قد اتخذت قرار المواجهة وان كلمة السر قد أعطيت لانطلاق عمليات الانتقام وبات على المؤسسة العسكرية المعنية بالعمل الميداني الاستعداد لساعة الصفر التي سبق ان تم تحديدها، ومن المتوقع أن تكون عملية متدرجة، اي ان طهران ستقوم بتوجيه الضربة الانتقامية الاولى وتنتظر ردة الفعل الامريكي واذا ما كان سيعمد الى الرد او الاستيعاب، الأمر الذي سيحدد مسار التطورات، اما الذهاب الى مواجهة مفتوحة بغض النظر عن حجم الخسائر والأضرار التي قد تدفعها طهران والتي لن تكون خسائر من طرف واحد بل سيكون الجانب الأمريكي مجبرا على دفع مثلها او اقل منها وقد تزعزع امال ترمب بالعودة الى البيت الابيض، او الانتقال الى تفعيل العمل الدبلوماسي برعاية دولية تلعب فيها موسكو وبكين دورا محوريا. ما قد يفتح الطريق أمام حلول تشمل المنطقة بأكملها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها