آخر تحديث:12:12(بيروت)
الإثنين 27/01/2020
share

ترامب لن يسقط..ولكن

لوري كينغ | الإثنين 27/01/2020
شارك المقال :
ترامب لن يسقط..ولكن Getty©
بعيداً عن العلم والفيزياء، دعونا نتخيل أننا استيقظنا ذات يوم ووجدنا بأن الجاذبية الأرضية انعدمت تماماً، هل تعتقدون أن الأمر سهل؟ على الأغلب سيكون هذا اليوم يوماً غريباً وعصيباً. فنحن نعتمد على الجاذبية الأرضية في معظم أمورِنا، والعديد من الأمور لا تعمل من دون الجاذبية، وهذا يفترض أنه لن تكون هناك طريقة للتنبؤ بمدى تأثير الجاذبية عليك أو على أسرتك أو أصدقائك أو زملائك من يوم إلى آخر. وربما ينطبق هذا الشرح على الواقع السياسي الحالي في الولايات المتحدة.

واقع مزعج

النتيجة الطبيعية لقوانين الجاذبية في العالم السياسي هي العدالة والمساءلة. وإذا افترضنا أن الأعمال الخبيثة لن تخضع للحساب ولن يتم تجنب الأعمال العدوانية، فهذا يعني أن العالم الإنساني المشترك للتفاعل العام ينهار بسرعة. كان هذا هو حال الولايات المتحدة منذ 9 تشرين الثاني 2016. حيث إن السرعة التي تم بها هدم التوقعات والافتراضات الأساسية وتآكل سيادة القانون في ثلاث سنوات يُعد أمراً مزعجاً.

وضع انتخاب دونالد ترامب كرئيس للولايات المتحدة، كل شيء موضع تساؤل، وأضحت قوة مؤسسات أميركا السياسية، وسلامة وسائل الإعلام الجماهيرية، وشفافية العمليات الانتخابية، والمراقبة والتوازنات بين الفروع التنفيذية والتشريعية والقضائية للحكومة في حالة يرثى لها.  

مشهد ضبابي

كيف يمكن للرئيس الأميركي أن يكذب يومياً (إن لم يكن كل ساعة) من دون مواجهة أي عواقب؟ وكيف يمكن أن يعاني الآلاف من الأطفال في مرافق الاحتجاز القذرة لأن والديّهم حاولا الوصول إلى الولايات المتحدة بحثاً عن حياة أفضل؟ وهل يمكن لوزارة الخارجية أن تسقط أخلاقياً لدرجة أن تطرد سفيرة محترمة بسبب قيامها بعملها؟ وهل يمكن لأغلبية أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي أن يصدقوا في الواقع المنطق الملتوي الذي يخدم مصالح الرئيس المختل؟ وهل يمكن لجزء كبير من الناخبين أن يؤمنوا بمؤامرة "الدولة العميقة" ضد الرئيس ويدعموا هذيان مؤيديه من المتعصبين البيض؟ وهل يمكن للرئيس أن يقرر ببساطة اغتيال زعيم إيراني في دولة ثالثة والمجازفة بإشعال الحرب العالمية الثالثة من دون أي تعطيل لآلية القوة العسكرية؟


الجواب على كل هذه الأسئلة، هو "نعم". للأسف، لم يعد هناك أي "نقطة أرخميدية" سياسية أو عامة يمكن من خلالها فهم الأحداث أو توجيه الذات حتى يتسنى للأميركيين تصحيح وضعهم المؤلم. وكما هو معروف، فإن اتخاذ أي موقف في الحياة ينطوي على أن يعرف المرء أين وكيف يقف، ولكن في المشهد الضبابي الحالي للحقائق المتضاربة، من الصعب للغاية اتخاذ القرارات.

دور الصحافة

إن ما تم كشفه مؤخراً عن الأضرار الضخمة التي تسببت بها "كامبردج أناليتيكا" في عملية الاحتيال للتأثير على الناخبين لصالح الحملة الانتخابية للرئيس الأميركي دونالد ترامب في عام 2016، ولدفع الجمهور البريطاني لتأييد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ينبهنا إلى أهمية الشفافية والنزاهة في وسائل الإعلام، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي. وأصبح دور الصحافة أكثر أهمية الآن، خصوصاً أن الولايات المتحدة تستعد لإجراء انتخابات رئاسية في تشرين الثاني المقبل.

معظم الأميركيين يحصلون على أخبارهم اليومية من وسائل التواصل الاجتماعي، إما "فيسبوك" أو "تويتر" أو "بازفيد" أو "ريديت"، أو مزيج من كل هذه المواقع، ما يعني ببساطة أن معظم الأميركيين، عبر الطيف السياسي، يختارون مصادر الأخبار المفضلة لديهم، وبالتالي هكذا يشكلون شعورهم عن الواقع.

في حين أن تكاثر مصادر الأخبار على مدى العقدين الماضيين كانت له إيجابياته، لا سيما استقطاب أصوات جديدة في المجال العام، إلا أن لتفتيت الصحافة أيضاً عيوباً خطيرة. نادراً ما يكون الأميركيون كما يُصطلح مجازياً القول "على نفس الصفحة"، عند استقبال الأخبار. وتركز جميع وسائل الإعلام التلفزيونية والإعلامية والاجتماعية والإذاعية على الأحداث المهمة فحسب، مثل تغطية تقرير مولر في آذار الماضي، المعروف في الدوائر الرسمية في أميركا باسم تقرير عن التحقيق في التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية لعام 2016، أو إجراءات مجلس النواب الأميركي لعزل دونالد ترامب الشهر الماضي.

تغير أميركا

لم تقدم أعمال المؤسسات الأميركية، حسب كينغ، أي حل على الإطلاق للكارثة التي حلت بالبلاد في تشرين ثاني 2016. وكان الاستماع إلى "النقاش" بين الأعضاء الجمهوريين والديمقراطيين في مجلس النواب الشهر الماضي يثير السخط بشكل خاص. فهو إذا ما أردنا وصفه بدقة، لم يكن نقاشاً بقدر كونه تلاوة لوجهة نظر مختلفة تمامًا عن الواقع، مع عدم وجود حكم أو سلطة لإرشادنا إلى الاستنتاج.

عندما كانت طفلة، تسمر البالغون أمام أجهزة التلفاز وتصفحوا الجريدتيّن اللتين كان يتم تسليمهما إلى المنازل يومياً لمتابعة محاكمة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون. والجميع اعتبر حينذاك أن شيئاً خطيراً للغاية يحدث، وأنه سيغير التاريخ الأميركي إلى الأبد. أما المفارقة فكانت بعد إجراءات عزل ترامب قبل شهر، حيث كان لافتاً أن الأرض لم تهتز، ولم تنفجر الشوارع احتجاجاً ولم يهيمن الصمت فيها. وبما أن مجلس الشيوخ الذي يهيمن عليه الجمهوريون سيحمي ترامب من أي عواقب، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو ما الهدف من مواصلة هذا الجهد غير المجدي في مجلس الشيوخ؟

من المسلم به، أن يعمد أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين إلى تجاهل أو رفض الحقائق التي يتم تقديمها بالتفصيل والسياق الدقيق. لكن الجمهور الحقيقي لهذه المحاكمة برأيها، ليس أعضاء مجلس الشيوخ المئة، بل الأمة ككل، وقد أُطلقت هذه المحاكمة من قبل أشخاص يفهمون قوة السرد ويربطون الأحداث والشهادات والسوابق القانونية والخطب التاريخية. وفي يومين من النقاشات، نجحوا في إظهار وإطلاع الأميركيين إلى أي مدى غرقوا في مياه ترامب الآسنة.

قدم الديموقراطيون قضية مبنية على أسس قوية ضد الرئيس وأتباعه، وأرفقوها بحقائق صلبة سلطت الضوء على عدم كفاءة ترامب كرئيس. وبينما من المحتمل، أن يصوت عضو واحد أو اثنين من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين مع زملائهم الديمقراطيين لعزل ترامب من منصبه، إلا أن هذه المحاكمة لن تنهي إدارة ترامب، بل ستجعل من الصعب عليه الفوز في انتخابات عام 2020 من دون استخدام أساليب الغش التي لجأ إليها سابقاً، كما قد تنهي المسيرة السياسية لأعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الفاسدين والمتواطئين مع الرئيس الأميركي الحالي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

لوري كينغ

لوري كينغ

أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة جورج تاون، واشنطن zinjabeela@gmail.com