آخر تحديث:21:00(بيروت)
الجمعة 24/01/2020
share

روسيا والمسألة الشرقية.. بين الأمس واليوم

جمال القرى | الجمعة 24/01/2020
شارك المقال :
روسيا والمسألة الشرقية.. بين الأمس واليوم نحو 450 ألف مدني هُجّروا من إدلب، بين نوفمبر 2019 ويناير 2020، نتيجة قصف نظام الأسد وحلفائه الروس (غيتي)
يمكن القول أن روسيا تمتّعت في النصف الأول من القرن التاسع عشر، بنفوذٍ كبيرٍ وربما شبه أحادي في منطقة الشرق، إنطلاقاً من رعايتها وحمايتها للأراضي والأماكن المقدّسة، كما للمسيحيين والأرثوذكس على وجه الخصوص.

لقد كان المجال الثقافي- الديني والدبلوماسي، هما مجال سيطرة ونفوذ روسيا في الشرق، المجال الذي بدأ بعد العام 1774، أي بعد انتهاء الحرب الروسية- التركية (1768- 1774) التي رسّخت حقّ روسيا في حماية الرعايا الأرثوذكس في الإمبراطورية العثمانية وفي إنشاء أول بعثاتٍ دبلوماسيةٍ لها في الإمبراطورية العثمانية، وصولاً إلى تاريخ إتفاقيتي لندن 1840 -1841، مروراً بمعاهدة أدريانوبول 1828- 1829 وبإتفاقية أونكيار إيسكليسي العام 1833. هذا الواقع، دفع كلاً من فرنسا، الحامية التقليدية للكاثوليك، كما إنكلترا التي تسعى جاهدة للسيطرة في الشرق، إلى التخوّف من السلطة الكنسية المتنامية لروسيا. ومنذ ذلك الحين، بدأت المسألة الشرقية في جانبها الطائفي تكتسب أهمية قصوى: تعزيز التأثير الديني لفرنسا وبريطانيا العظمى، في السكان المسيحيين في سوريا وفلسطين، في ظلّ الهيمنة السياسية لروسيا، ما فتح صراعاً دينياً وسياسياً فيما بينها، تطوّر بشكلٍ أساسي من خلال القنوات الكنسية.

وتُعدّ الفترة الممتدّة من اتفاق أونكيار إيسكليسي الذي عُقد في العام 1833 بين الإمبرطوريتين الروسية والعثمانية، وحقّق نجاحاً باهراً للدبلوماسية الروسية (حمى أراضيها من الغزو ومنع أساطيل الدول الغربية من الوصول إليها، وفتح لها فرصًا تجارية في تركيا)، وصولاً إلى اتفاقيتي لندن الموقّعتين في العامين 1840 و1841 (عُقدت الإتفاقيتان بين روسيا وبريطانيا وفرنسا والنمسا وبروسيا وتركيا، ووضعت حدّاً للصراع التركي- المصري وأرست لنظامٍ جديدٍ في مضيقي البوسفور والدردنيل يضمن مصالح كل هذه الدول وليس فقط مصالح روسيا وتركيا)، فترة مهمة للغاية، كونها فتحت الباب ليصبح فيه الشرق مسرحاً للإنتشار – الكنسي- الدبلوماسي – التنافسي بين الدول الكبرى بعدما كان محصوراً بين روسيا وتركيا. ومنذ ذلك الوقت، بدأ النفوذ الروسي يتراجع في المسألة الشرقية التي اكتسبت الآن طابعها الحادّ لصالح الدول الأوروبية، وخصوصاً بريطانيا العظمى وفرنسا.

لقد بدأت روسيا بدفع ثمن هاتين الإتفاقيتين، في ظلّ تعزيز النفوذ الكنسي لبريطانيا وفرنسا لدى السكان المحليين، والنفوذ السياسي- الدبلوماسي لدى الباب العالي. وكانت حرب القرم التي خسرتها روسيا أمام تركيا المتحالفة مع الدول الكبرى في العام 1856، الشاهد على أن الشرق لم يعد يتسّع للدول الغربية ولروسيا معاً، بل لأحد الفريقين، كما كانت دليلاً إضافياً على إخفاقات الدبلوماسية الروسية في مقاربة موضوع المسألة الشرقية. وعاشت روسيا بعد الحرب عزلة دولية خانقة، استلزمتها سنوات طويلة من إعادة النظر بالمسألة الشرقية وبالتعاطي الدبلوماسي مع الأتراك ومع الدول الكبرى. غير أن الصفعة الأخرى التي تلقّتها من هذه الدول، كانت خلال الحرب الروسية- التركية التالية بين العامين 1877- 1878، التي تُركت فيها روسيا بمفردها تواجه السلطنة العثمانية. ربحت روسيا الحرب، وعقدت معاهدة سلام مع تركيا، لكن بريطانيا وفرنسا اللتين وقفتا على الحياد، طالبتا بتغيير بنود المعاهدة وتفريغها من المكتسبات المحقّقة، ما جعل الإمبرطور ألكسندر الثالث يقول بأن هذا اليوم كان أسوأ يومٍ في حياته.

يبدو أن روسيا اليوم، التي يمكن اعتبارها، من الناحية السياسية والدبلوماسية، امتداداً لمرحلة الإمبرطورية الروسية ما قبل ثورة أكتوبر، تُبدي في المسألة الشرقية سلوكاً مغايراً لما كانت عليه في القرن التاسع عشر. فهي استفادت من كل تجاربها التاريخية السابقة وباتت أكثر حذراً أو دهاءً في مقاربة تحالفاتها واهتماماتها في المنطقة، إنطلاقاً من مصالحها الخاصّة التي ترسمها على وقع المتغيّرات العالمية. فاليوم، وعلى وقع إنتفاء العامل الديني والطائفي والتبشيري كأحد الأسباب الأساسية للصراع بين الدول في المنطقة، بالإضافة إلى أنه لا يجوز استعماله مسوّغاً لتمرير مصالح هذه الدول لضعفه وقلّة حجّته وحيلته... يبدو أن روسيا تعود اليوم لتستعيد مبادرة الإمساك بما يُسمّى بالمسألة الشرقية. بيد أن الظروف تغيّرت، والمفاهيم تغيّرت، والتاريخ تغيّر، والشعوب أيضاً تغيّرت في ظلّ نشوء وعيٍ تحرّري تسعى المجتمعات الشرقية من خلاله إلى نقل شعوبها من حالة البطريركية الإجتماعية والسياسية وحالة الإستبداد، نحو رحاب المواطنة والقومية والأمّة، وهذا الأمر محفوف بالصعاب والتهديدات الداخلية والخارجية.

فإما أن تكون روسيا التاريخية، المرتبطة بهذا الشرق روحيّاً ومعنوياً وثقافياً وسياسياً، مغايرة للغرب بمقاربتها له وبعلاقتها به، وتسعى فيه إلى تأسيس كل ما من شأنه أن يساهم في تطويره الإنساني وتحقيق تقدّمه، وهي تستطيع أن تكون كذلك إن أرادت.. وإما سنكون أمام مرحلةٍ جديدةٍ لن تؤدّي إلا إلى مزيدٍ من تعاسة هذا الشرق ولا نريد لها أن ترتبط باسم روسيا.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

جمال القرى

جمال القرى

طبيبة وناشطة سياسية واجتماعية لبنانية

مقالات أخرى للكاتب

تدخل روسي لإنقاذ عون؟! الإثنين 04/11/2019