آخر تحديث:15:58(بيروت)
الثلاثاء 21/01/2020
share

الغاز مرة أخرى

شادي لويس | الثلاثاء 21/01/2020
شارك المقال :
الغاز مرة أخرى من الاحتجاجات في الأردن على اتفاقية الغاز مع اسرائيل (غيتي)

يوم الأربعاء الماضي، أعلن وزير البترول المصري طارق الملا، ونظيره الإسرائيلي، عن البدء في ضخ الغاز من إسرائيل إلى مصر بموجب اتفاقية بقيمة 15 مليار دولار لمدة عشر سنوات. كان الرئيس المصري قد قال عن الصفقة لدى توقيعها: "احنا جبنا جون يا مصريين في موضوع الغاز"، واعداً بأن تتحول مصر إلى مركز إقليمي للطاقة، حيث سيُسيَّل الغاز المستورد من إسرائيل ليُعاد تصديره، في الأغلب إلى أوروبا. ويأتي البدء في تنفيذ الاتفاقية، مع اعلان كل من مصر وقبرص وإسرائيل واليونان وإيطاليا والأردن وفلسطين، تدشين منظمة إقليمية للغاز، فالاحتياطيات الهائلة المكتشفة في شرق المتوسط تبدو مبشرة بتغيير جذري في سوق الطاقة إقليمياً وعالمياً.

على مستوى دولي، أبدت الإدارة الأميركية امتعاضها من الاعتماد الألماني على الغاز الروسي، فبالإضافة إلى التراشق اللفظي الذي تورط فيه ترامب مع المسؤولين الألمان، فإن الإدارة الأميركية طرحت، في ديسمبر الماضي، مشروع قانون لفرض عقوبات على خط "نورد ستريم 2" الذي يضخ الغاز من روسيا إلى ألمانيا مباشرة من دون المرور بأوكرانيا وبولندا. ويبدو أن قضية الغاز الروسي لا تتعلق فقط بحصار موسكو اقتصادياً وعزلها عن أوروبا، بل بمدى استقلال القرار الأوروبي، والسعى الألماني إلى القيام بدور قيادي في رسم سياسات أوروبية منسقة لا تخضع بالضرورة لسياسات الولايات المتحدة الخارجية.

تأتي إيران في المرتبة الثانية بعد روسيا في احتياطيات الغاز، ولدى الأميركيين أسباب أقوى لعزل إيران أيضاً. هكذا، يأتي التحالف الاقليمي للطاقة في شرق المتوسط، وربط البنية التحتية للغاز في كل من الأردن ومصر مع إسرائيل، بالإضافة إلى اتفاقية مد خط للضخ من حقول الغاز القبرصية إلى مصر في سياق الاستراتيجية الأميركية المعلنة لتوفير بدائل للغاز الروسي، بالإضافة إلى تعميق الشراكة الإسرائيلية مع دول الجوار العربي، وتعميق عزلة الإيرانيين.

لكن، وعلى مستوى إقليمى، فإن الفرص التي تمنحها الاحتياطيات الهائلة للغاز في المنطقة، بالإضافة إلى التنافس على لعب دور رئيس في الاستراتيجية الأميركية، خلقت بعداً إضافياً للصراعات. فخط الغاز القطَري-التركي، لا يبدو بعيداً من تلك المنافسة على السوق الأوروبية، والأزمة بين قطر التى تملك خُمس احتياطيات العالم من الغاز المؤكد، وبين التحالف السعودي الإماراتي، ربما يلعب الغاز فيها دوراً ليس بالقليل. أما عمليات التنقيب التركية في المياه القبرصية، واتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين أنقرة وطرابلس، والتعاون العسكري بينهما، فهي الحلقة الأخيرة من ذلك الصراع الفاتر حتى الآن.

تشغل تلك التوازنات والصراعات الإقليمية، ذات التبعات والارتباطات الدولية، المحللين ومراكز البحوث. وتُخفى وراء اللعبة الكبرى، الخسائر الفادحة التى تدفع شعوب المنطقة أثمانها وسط كل هذا. ففي مصر، لم تأتِ اتفاقية تصدير الغاز إلى إسرائيل في السابق، سوى بتبديد احتياطي الطاقة التي تعاني السوق المصرية نقصاً متعاظماً في مواردها. أما العائد المالي البخس من عملية التصدير، فتم تحويله إلى بضعة أفراد مقربين من نظام مبارك، بتستر من جهاز المخابرات، وفي النهاية أضحت الدولة المصرية ملزمة بدفع مبالغ ضخمة كغرامات بسبب تعطل ضخ الغاز بعد ثورة يناير. ويعود المسؤولون المصريين ليقولوا أن إتفاقية التصدير السابقة لم تقدم حماية كافية لمصر في حال تعطل الضخ لأسباب قهرية. اليوم، وفي غياب أي شكل من أشكال الرقابة المؤسسية أو الأهلية على اتفاقية الاستيراد ومتابعة تنفيذها، فالأرجح أن تبقى مكاسب الاتفاقية ومنافعها، حكراً على عدد من الأفراد المقربين من النظام، فيما خسائرها المحتملة ستقع على موازنة الدولة وغالبية السكان كالعادة.

وخلافاً للأردن، حيث ثار جدل سياسي ومجتمعي حول استيراد الغاز من إسرائيل، منعت منظومة القمع المخيفة في مصر أي نقاش من أي نوع حول الاتفاقية المماثلة مع تل أبيب. مرّ الأمر بسلاسة وهدوء وغموض شبه كامل. وتبدو الأنظمة القمعية في المنطقة هي الأنسب لتمرير الترتيبات الإقليمية والدولية من هذا النوع، سريعاً وبيُسر وبلا مشاكل، ويكون الثمن أرصدة فردية وعائلية للمستفيدين المحليين تودع في البنوك الأوروبية، يجمّد نصفها في النهاية غالبا أما الباقي فيتمتع به المسؤولون المتقاعدون وأسرهم.

من الحرب الليبية، إلى سوريا حيث تدور معارك ليست بالقليلة حول تأمين خطوط النفط والغاز، وصولاً إلى مصر والأردن، تبدو احتياطيات الغاز الهائلة، مثل النفط، نقمة على شعوب المنطقة، وأحد أسباب قمعها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها