آخر تحديث:06:50(بيروت)
السبت 18/01/2020
share

الخطة "باء"

أحمد عمر | السبت 18/01/2020
شارك المقال :
الخطة "باء"

سأل معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص، وهما من دهاة العرب، سؤالاً عن الخطة باء: ما بلغ من عقلك؟ قال: ما دخلت في شيء قط إلا خرجت منه. قال معاوية: لكنني ما دخلت في شيء قط وأردت الخروج منه. لم يكن معاوية يحتاج إلى الخطة باء، ووجدنا حفنة من المؤلفين يجمعون للأسد الدهاء مع التقوى بتسميته معاوية بن أبي طالب في رواية اسمها سوريا، وهو أرفع مدح سيق إليه. كان للأسد أيضاً خطة واحدة، لكن من غير حلم معاوية، وتقوى علي بن أبي طالب. ثم سمعنا عن الخطة الخمسية في برامج الحكومة، حتى إن عمّتي الطيبة كانت تظن أن جورج قرداحي هو الذي يمنح كل هذه الملايين، وأن الرئيس هو الذي يطعم كل هذا الشعب، مثلها كمثل أي مخبر سوري رحمها الله وغفر لها!  

 الخطط التامة، الاستراتيجية، الحكيمة، كما توصف في الخطب السياسية، لا بد لها من خطة بديلة، الخطة ألف في حكم أمريكا هي: حزب الحمار، الخطة باء هي حزب الفيل. ويقول موقع "رن ريبورت"، وهو موقع ألبسة رياضية، إنَّ الديمقراطيين والجمهوريين لا يتفقان على حذاء، وهذا فرق كبير بينهما، مع أنهما يتفقان على مشاكل الشرق الأوسط وقضاياها. وينسب للاعب كرة السلة الشهير مايكل جوردان قولٌ، اختلف الناس في تأويله هو: إن الجمهوريين يشترون أيضا النعال الرياضية! ولا أستطيع أن أجزم أنَّ أعضاء الجبهة الوطنية التقديمة كانوا يشترون الأحذية الرياضية.

 ارتُكبتْ جريمة القنصلية من غير خطة باء، لكن الذين ارتكبوها استطاعوا ابتلاع عقابيلها بأموالهم، ودفعوا أكبر ديّة معروفة في التاريخ العربي لأمريكا، لأنَّ الضحية كان يعمل فيها صحافياً. أما خليفة حفتر الذي نصّبَ نفسه مشيراً، فقد ذهب إلى موسكو للتوقيع على وقف إطلاق النار من غير خطة باء، وطلب مهلة حتى يتصل بأولياء أمره، فهو في الحقيقة ليس أعلى رتبة من الشاويش فرقع.

ويمكن الجزم بأنَّ الأسد الأب الذي يُتهمُ بالغموض والباطنية، كان واضحاً في أمر الخطة باء، أي شفافاً بلغة الصحافة المعاصرة في الإعلام العربي الدجّال، لكنها شفافية زجاج محجّر، ذلك أنه عندما قضى ولي العهد الجمهوري، ابنه الأكبر باسل في حادث سير نضالي، وهو يستكشف طريق القدس، لجأ والده إلى الخطة باء، فأحضر ابنه بشار من لندن. وتزعم صفحة شبكة الثورة السورية أنه باح بالخطة باء لصحافية فرنسية من غير أن تسمي الصحافية، سألته بعد انتهاء المقابلة سؤالاً لم يكن في جملة الأسئلة التي دُرست وفُحصت ونُبشتْ قبل الطرح، قالت له: هل يمكنني أن أسألك سؤالاً إضافياً يا فخامة الرئيس. أجابها: بكل سرور.

قالت له: لنفترض يا فخامة الرئيس أنه حصل انقلاب عليك، فإلى أي بلد ستلجأ، وتطلب اللجوء السياسي.

أجابها: لن يحصل.

فظنت الصحافية أنه لم يسمع السؤال، فكرّرته عليه.

أجابها للمرة الثانية: لن يحصل.

فقالت له: يا سيادة الرئيس، نحن نفترض فقط.

أجابها: حينذاك لن تكون هناك سوريا.

 زعمُ صفحة شبكة الثورة السورية أكدته الحواجز السورية، عندما رفعت شعار الثورة المضادة، الذي كان يتضمن الخطتين في عبوة واحدة:

 الخطة ألِف: الأسد.

الخطة باء: نحرق البلد.

 حاصل الطرح بلا باق هو: الأسد أو نحرق البلد.

 ولم يكن الأسد هو المسكين الوحيد، المحصور، الذي لم يترك له خيار الخطة ألِف سوى حرق البلد في الخطة باء، والخطتان لا تشبهان الخطتين المذكورتين في بيت إبي فراس الحمداني، الخطة الأولى: لنا الصدر دون العالمين، الخطة الثانية: أو القبر، فالصدر للأسد، والقبر في خطة الأسد الثانية هو للشعب. ومن ذلك، أنّ الرعية السورية التي كانت تقاد من أعنتها إلى الاستفتاء، كل سبع سنوات، كانت تقع في حيرة من أمرها، فإما أن تختار نعم في الدائرة الخضراء على ورقة الاستفتاء وإما مليون نعم في الدائرة الحمراء المهلكة.

وقد تردّتْ الليرة السورية إلى أسفل سافلين، وأُخزيتْ، حتى صارت الألف ليرة والدولار الواحد سواء، ثم فاض الدولار بفضله على الألف، وفضلُ الدولار على الألف كفضل الغازي على القاعد. ومن الشعارات التي كنا نُجبَر على ترديدها في المسيرات: واحد منّا يقابل ميّة، فإذا بلغ الدولار لهم نصاب/ خرّتْ له الدراهم ساجدينا.

 وقد وضع الأسد الابن خطة باء من أجل الخلاص من نير الدولار الذي أخزى الليرة، فهزلت وخسّتْ مثل المعتقلين السوريين، وهي البطاقة الذكية، وحسب المعلومات، لن تكون صورة الرئيس عليها، وستكون شديدة الذكاء، وتمنع الأسد من السقوط سنوات أخرى، والذي لم تستطع ثمانون دولة إسقاطه، وبشرتنا مواقع غير موثوق بها بأنَّ الجلاء المدرسي الجديد سيكون نظيفاً من صورة الرئيس. المستشارة الرئاسية المتعددة المواهب "بسينة" شعبان، تزعم أن قيمة الدولار وهمية في السوق وتستدل على ذلك بنكوص الناس عن البيع والشراء، ناسيةً أنَّ توقيف التجارة يعني توقف الحياة وتعطل الاقتصاد.

 عندما ثار الشعب الليبي على القذافي، عرض الخطة باء، ولم تكن خطة مقتبسة من الكتاب الأخضر، ولم تكن اقتراحاً من إحدى اللجان الشعبية، ولا من زحوف الزحف الأخضر، كانت الخطة هي ابنه، سيف الإسلام القذافي! أما السيسي، فبدأ بالخطة باء فوراً، ولم تكن لديه خطة ألِف قط. السيسي نفسه هو الخطة باء للرئيس المخلوع حسني مبارك، والأرجح أنه الخطة خاء، وقد تكون حاء بدون همزة.

 شاع جدلٌ في الصفحات والصحف حول زيارة إسماعيل هنية لطهران، ومشاركته في جنازة سليماني، ووصفه لسليماني بشهيد القدس، ثم تقبيله ليد خامنئي، الذي احتل أربع دول عربية من غير خيل ولا ركاب. وهاجم بعضهم حماس، فرمزية الأقصى وحماس وأكناف بيت المقدس، والأرض التي باركنا حولها، سفحَها هنيّة في إيران التي انتصرت على العرب في القادسية الثالثة. ودافع المدافعون عن غزة المحاصرة، التي بلغت سن الرشد وهي في الحصار. وذكّر آخرون بصعوبة الجمع بين الجهاد والحكم، وأنه ليس عند حماس خطة باء. ووجدنا بدعة فقهية وسياسية جديدة قبل فترة في الفضائيات السورية تشيد بالقسّام، وتهجو حماس، والقسّام ابنة حماس الرشيدة، وتفرّق بينها وبين حماس التي كَفرتْ مرّة وأيدتْ الربيع العربي، وصارت فضائيات المقاومة والممانعة الكارهة لحماس تذكر القسّام بالخير، فكأن القسّام هي باء حماس. 

وفي كتاب "جيل الشجاعة" يروي نجاة قصاب حسن أن اثنتين من بنات الخطأ، واحدة قهرمانة والثانية صغيرة، أخذهما أهل دوما، وعند وصولهما في العربة إلى حرستا، التي لا بد من المرور فيها، خرج أهل حرستا، وبدأ إطلاق النار، فولولتْ الشابة (التي لم تأخذ في حسبانها الخطة باء)، فأسكتتها الدهقانة وقالت لها: ليش الولولة؟ إن أخذَنا هؤلاء سخّمونا (الخطة ألف)، وإن أخذَنا الآخرون سخّمونا (الخطة باء)، وتقريباً هذا حال الدول العربية المسخّمة بين فتوات أمريكا، وفتوات إيران.

 الخطة باء هي ألِفٌ مغدورة، مبطوحة، تحتها نقطة دم كبيرة.

ألِف هي باء، وهذا يعني أنَّ أول حرف في الأبجدية وأهم حرف فيها قد قتل.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب