آخر تحديث:13:44(بيروت)
الجمعة 17/01/2020
share

هذه السلطة لم تتعلم شيئاً

مهند الحاج علي | الجمعة 17/01/2020
شارك المقال :
هذه السلطة لم تتعلم شيئاً
مرة جديدة، نسمع عن اقتراب لتشكيل الحكومة العتيدة لرئيس الوزراء المكلف حسان دياب. لكن هذه المرة، بإمكاننا الاستنتاج أن شيئاً لم يتغير على الصعيد السياسي نتيجة الثورة منذ 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، لا بل يلوح في الأفق سلوك سياسي من حقبات سابقة يبدو أن الطبقة الحاكمة لم تطوها.

في الشق الأول، كذبت السلطة السياسية في إدعاءاتها بأن سلوكها تبدل بعد صدمة الثورة وأنها سمعت أصوات الناس ومظالمهم حيال الأداء الرديء خلال العقود الماضية. والكذب هنا علني وموثق، إذ أن الأقطاب السياسية رفضت سلوك طريق وسطي من خلال مشاركة السلطة مع شخصيات مستقلة تحظى بقبول الشارع. ما رأيناه منذ استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، مروراً بتكليف حسان دياب، هو عودة الى القاعدة الأساسية في التشكيل، أي المحاصصة، وما يرافقها من مفاوضات تشمل أدواتها العنف والتهديد بالفتنة المذهبية، وحتى التلويح بالسلاح واعادة التذكير بالحرب الأهلية.

لم تفقد السلطة نظرتها إلى الحقائب بصفتها غنائم، ولم ترتق الى ضرورة تحمل المسؤولية حيال الملفات العالقة. لم يشمل الخطاب السياسي خلال الشهور الماضية، أي نقاش فعلي في خصوص الأزمات المستفحلة في البلد، من سعر صرف الدولار، إلى قيود المصارف، وتراجع واردات الدولة، والاصلاحات المنشودة. كان الخطاب السياسي يتطرق إلى هذه القضايا الملحة، فقط من بوابة تقاذف المسؤولية، ومحاولة التنصل منها. كل الأطراف السياسية دون استثناء تبنت خطاباً مؤيداً للثورة والاحتجاجات، وبدأت تسحب من أرشيفها تصريحات من الصنف "التحذيري". دخلت الطبقة السياسية بأسرها في حفلة تنكرية، يرتدي أقطابها القابعين في مناصبهم منذ نهاية الحرب، رداء الثورة والنضال. بين ليلة وضحاها، لم تعد هناك سلطة ومسؤولون، بل تحول الجميع إلى "شارع". وهذا سر "نجاح" هذه الطبقة السياسية، إذ أن أقطابها لا يرتكزون في سلطتهم إلى مؤسسات الدولة أو مناصبها، بل يقع جوهر نفوذهم في كونهم قادة الطوائف وميليشياتها. والطوائف والميليشيات من المقدسات التي يحاول الثوار تجنب المس بها، كي لا يسحقهم عنفها، إذ لا توازن قوى هنا بينهم وبين مؤسسة ينصهر فيها الدين والسياسة والاعلام وآلة القتل الجاهزة دوماً للتنفيذ.

المهم أن سلوك الطبقة السياسية لم يتبدل، لكن هناك مؤشرات إلى تدهور فيه. ذاك أن الأسماء المطروحة في حكومة دياب فيها مستشارون (غير رسميين) لأقطاب سياسيين يشكو الناس أصلاً من أدائهم في الحقائب. عملياً، اختار أقطاب الفساد شخصيات من الصف الثاني، ويريدون تكليفهم لا بوزارة واحدة، بل بحقيبتين وربما ثلاث حقائب دفعة واحدة. الأهم هو التمثيل السياسي.

أيضاً يلوح صراع مذهبي-سياسي مفتعل، مع خروج رئيس الوزراء سعد الحريري من المعادلة ومعه حليفيه السابقين وليد جنبلاط وسمير جعجع من التركيبة المقبلة للحكومة. يملك هؤلاء الأقطاب القدرة على تحريك الشارع، ورفع منسوب التوتر في البلاد تحت ضغط الأزمة الاقتصادية التي لم نر نهايتها بعد. يعني عملياً، أننا أمام تشكيل حكومة لم يكتف من يُشكلها بحرمانها من الكفاءة والاستقلالية المطلوبة لإنجاز مهماتها الصعبة، بل أيضاً فخخها بلون واحد استفزازي.
 

ليست حكومة دياب جدية، بل هي حصراً أداة للسلطة بطرفيها (المشارك وغير المشارك) لإعادة انتاج صراع مذهبي - سياسي يرفع المسؤولية عن الطبقة السياسية، ويعيد النقاش إلى مربعه الأول.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب