آخر تحديث:08:29(بيروت)
الأحد 12/01/2020
share

الطائرة الاوكرانية تهز إيران

حسن فحص | الأحد 12/01/2020
شارك المقال :
الطائرة الاوكرانية تهز إيران Getty©
في اقل من اسبوع، عقد المجلس الاعلى للامن القومي الايراني جلستين طارئتين على جانب كبير من الاهمية، لانها لا تدخل في اطار الاجتماعات الروتينية لهذا المجلس او تتعلق بأمر لا يشكل تحديا مباشرا للنظام ومستقبله. الاجتماع الاول صباح يوم الجمعة الماضي في 3/1/2020 الذي تقرر فيه الرد الايراني على عملية اغتيال الجنرال قاسم سليماني بالقرب من مطار بغداد وتبني الرئيس الامريكي دونالد ترمب وادارته لهذه العملية، والاجتماع الثاني جاء يوم الجمعة ايضا بعد ان عجزت الاجهزة الاعلامية والسياسية للنظام الايراني عن تمرير روايتها المجانبة للحقيقة حول سقوط الطائرة المدنية الاوكرانية والقرار المفصلي الذي اتخذه باعتماد الرواية الحقيقية والاعتراف بمسؤولية مؤسسة حرس الثورة الاسلامية – جيش النظام العقائدي- عن هذه الكارثة بالكامل ولا علاقة لمؤسسات الدولة بالامر بما فيها مؤسستا الطيران المدني والجيش النظامي. 

واذا ما كانت الضربة الصاروخية التي اتخذ القرار بتنفيذها ضد القاعدتين الامريكيتين في العراق، الحرير وعين الاسد في اربيل والانبار على التوالي، في مجلس الامن القومي الذي شارك فيه المرشد الاعلى للنظام تدل على اهمية الحدث المفصلية في مصير ومسار النظام ومستقبله، فان موافقة المرشد على قرار مجلس الامن القومي بتبني المسؤولية في حادث إسقاط الطائرة الاوكرانية وتحميلها لمؤسسة حرس الثورة ووضع الامر في اطار "خطأ بشري غير مقصود" لا تقل اهمية عن قرار الضربة، لانها تصب في محاولة النظام لاستيعاب التداعيات السلبية على المستويين الداخلي والدولي لهذا "الخطأ" وبعد محاولات استمرت لاكثر من يومين لابعاد المسؤولية عنه وتشتيت المواقف على امل تمريرها من دون الوصول الى قرار تحمل المسؤولية.
 

اسقاط الطائرة الاوكرانية استطاع ان يسرق الاضواء والاهتمام من الضربة الصاروخية للقواعد الامريكية في العراق، وأعاق جهود التوظيف الايراني لهذه الضربة في عملية تحشيد المواقف الداخلية والاقليمية داخل القوى المتحالفة معها في المنطقة والتأسيس لانشطة اوسع واكبر تساعد على ترجمة الاستراتيجية التي رسمها المرشد بانهاء الوجود الامريكي في غرب آسيا في اطار الرد على عملية اغتيال سليماني. وبالتالي فان الانتكاسة التي أصيبت بها مساعي رد الاعتبار عبر عنها بشكل واضح ومرير قائد قوات الجو-فضائية لحرس الثورة الجنرال أمير علي حاجي زاده عندما قال "تمنيت الموت عند سماع الخبر". 

التداعيات التي رافقت عملية اسقاط الطائرة الاوكرانية، لم يقف عند حدود الاستنفار الدولي ضد ايران ونظامها وتحويل الحادث الى مدخل لممارسة المزيد من الضغوط السياسية والنفسية على القيادة الايرانية للحصول منها على تنازلات مستفيدين من هذه الفرصة التي ما كانت لتتوفر لولا هذا الخطأ الذي جاء في اللحظة التي انطلقت الصواريخ الايرانية باتجاه القواعد الامريكية. هذه التداعيات انعكست ايضا على الداخل الايراني، حيث فرضت على النظام واجهزته الامنية والاعلامية الاعتراف بالتظاهرات التي انطلقت في العاصمة طهران واتسعت الى بعض المدن الاخرى لمواساة ضحايا الطائرة ورفضا "للكذب" الذي مارسته المؤسسة العسكرية والنظام في محاولة اخفاء حقيقة الفاجعة. 

الاعتراف لم يقف عند حدود الاقرار بهذه التظاهرات، بل ترافق مع الاشارة الى الشعارات التي رفعها المتظاهرون المعادية لقيادة النظام والحرس والمؤسسة العسكرية واتهامها بالكذب واخفاء الحقائق مطالبة باستقالاتهم ورحيلهم عن السلطة، من دون ان تكون هذه الاجهزة قادرة على التصدي لهذه الفورة وامكانية ان تتحول الى مواجهات دامية في تكرار للسيناريو الذي شهدته ايران في منتصف تشرين الثاني نوفمبر 2019. 

مظاهرات كانون الثاني يناير 2020 قد تكون اكثر خطورة من مظاهرات نوفمبر 2019، فاذا ما كانت مظاهرات العام الماضي جاءت نتيجة لاعتراضات شعبية على قرار رفع اسعار الوقود وتفاقم الازمة الاقتصادية واعمال شغب وحرق وتدمير لبعض المؤسسات ولم تخلُ من توظيف سياسي من قبل بعض الاطراف، الا ان التحرك الحالي يحمل مؤشرات على امكانية تحوله لخطر يهدد النظام بشكل جدي، لان الجهات التي شكلت الشرارة لانطلاقته كانت طلاب الجامعات نتيجة لوجود نحو 20 طالبا ايرانيا يعتبرون من النخبة العلمية بين قتلى تحطم الطائرة، وهو مؤشر قد يتحول الى عامل تفجير للنظام من الداخل، خصوصا وان طلاب الجامعات يشكلون عصباً أساسياً في تركيبة المجتمع الايراني ويعتبرون الى حد كبير امتدادا للطبقة الوسطى، ما يعني ان ما كان يفتقده الحراك السابق بات متوفرا الان وسيشكل حادثة الطائرة واعمال القمع السابقة دافعاً في حال كتب له الاستمرار ولم يتعرض لعمليات قمع اكبر واستيعاب اقل. 

من ناحية اخرى، فان حالة من الغليان داخل اروقة النظام بدأت بالظهور والخروج الى العلن، وحتى تتأكد صحة او عدم صحة الخبر الذي تحدث عن استقالة الرئيس حسن روحاني من منصبه، فان التهميش الذي واجهته السلطة التنفيذية ورئاسة الجمهورية في التطورات الاخيرة خصوصا قرار توجيه ضربة عسكرية للقواعد الامريكية، والتي رفعت من مستوى الاعتقاد بهيمنة المؤسسة العسكرية على قرار الحكومة والمؤسسات الاخرى، عاد هذا الامر الى الواجهة مع حادث الطائرة الاوكرانية، وكشف حجم الاستبعاد الذي مورس مع رئاسة الجمهورية التي لم توضع في اجواء حقيقة التحقيقات سوى في وقت متأخر وقبيل المؤتمر الصحافي لقائد قوات الجو-فضائية حاجي زاده، وتحميله مسؤولية التحرك الدبلوماسي باتجاه الدول المعنية لاستيعاب التداعيات. 

قد يكون روحاني وفريقه امام واحد من خيارين، اما استغلال هذه الفرصة وتحويلها الى منطلق على طريق استعادة الصلاحيات والدور، وبالتالي توظيفها على طريق فرض موقفه من كل التطورات السياسية والعسكرية والامنية وحتى في رؤيته للخروج من الازمات التي تواجهها ايران مع المجتمع الدولي بما فيها الحالية، خصوصا وان الشيخ مهدي كروبي المعزول في الاقامة الجبرية بعد احداث عام 2009 قد تجاوز حدود المراعاة السياسية في مخاطبة المرشد الاعلى وشكك في اهليته للاستمرار في منصب ولي الفقيه طبقا للشروط الدستورية خصوصا القدرة على اتخاذ القرار، وهي خطوة تحمل دلالات كثيرة لانها تأتي من احد افراد المؤسسة الدينية واعمدة النظام ومن الملتزمين بالدستور وبمبدأ ولاية الفقيه. واما ان يستمر في العمل تحت السقف الذي يرسمه النظام وقيادته للدور المطلوب منه، من دون ان يكون له الحق بالاستقالة. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها