آخر تحديث:07:42(بيروت)
السبت 11/01/2020
share

بوط يستحق التقبيل

أحمد عمر | السبت 11/01/2020
شارك المقال :
بوط يستحق التقبيل

وصل الباص إلى حاجز المعبر، ويسمى أيضاً حاجز الفيلق الخامس، وهو أشد الحواجز بأساً، وترتيبه السادس أو السابع بين الحواجز التي يزيد عددها عن العشرين حاجزا، انطلاقاً من القامشلي إلى حمص، وتأتي أهميته من كونه معبراً حدودياً بين مجمع البحرين وملتقى الدويلتين؛ دويلة الجزيرة الآبوجية، ودويلة القرداحة الشامية. أمسى اسم الجزيرة روج آفا لدى الكرد، الموالين منهم والمعارضين، ومعناها غرب كردستان، وتُترجم مختصرة إلى: الغروب. وفي المعبر الذي يشبه الصراط، تُعرض البطاقات الشخصية للفحص بالأشعة غير السينية، وتُفتَّش الحقائب وتُفلّى الألبسة، بحثاً عن البضاعة التركية. في أول عهد الرئيس المؤسس، كان الجند يبحثون عن البضاعة الأمريكية، فلا بد من تحريم بضاعة ما من أجل تسلية هؤلاء الجند الميامين، وهم أفضل حالا من جند مصر الذين يزرعون الخضار ويبيعون الترمس. حواجز الويسترن الكردية سهلة، منخفضة العلو في سباق الماراتون، ولا يطول خَبْزُ المسافرين على نار الانتظار، فالكاوبويز الكردي الآبوجية يبحثون عن الشباب البالغين والهاربين من الخدمة العسكرية، ويفحصون وثائق كفالاتهم، وهم أميّون غالباً، تبدر منهم بعض التصرفات الفردية المنكرة، وهم أصغر سناً من عناصر النظام الشائخ، يجبون الإتاوات زاعمين أنها لآهالي الشهداء، ونصف ثروة سوريا من النفط والقمح في حوزتهم! و عند كل حاجز يأمر العناصر المسافرين بالنزول، فيرتلون الذكور في رتل، والإناث في رتل، وليس هذا عدلاً في قيم الامبريالية الترامبية المستجدة، ولا قيم الماركسية اللينينية التي شبَّوا عليها، حتى لو كان الرتلان متوزايين وفق نظرية تالس في الهندسة الإقليدية، لكنه ترتيل يوافق الأعراف، يطلب العناصر من الذكور دفاتر خدمتهم العسكرية الجديدة الخضراء، إلا في المعبر الأخير بين قبيلتي العم القائد والأب القائد، فهم يطلبون دفتر خدمة النظام. وهذا أمر فسَّره أولو العلم بأن دفاتر الإدارة الذاتية في دمشق أصدق من دفاتر الإدارة الذاتية في القامشلي، مركز الإدارة الثانية في دمشق، ومركز الإدارة الأولى في موسكو، أو هم يعملون لهم، ولله عاقبة الأمور.

عاد أحد العناصر الذي لم يرد ذكر اسمه أو وصفه في الجدول الدوري للعناصر عند العالم مندلييف، بالهويات إلى الركاب، في حاجز البطاطا، ولم يعرف أحد سبب تسميته بهذا الاسم الفسوق، تقدير علّة الاسم هو أنَّ عناصر الحاجز كانوا يكلّفون السائقين بشراء أكياس البطاطا، فهو طعام طيب، البطاطا لحم النبات، عندما يعزُّ لحم الحيوان.

وطفق العنصر الذي لم يرد ذكره في جدول ديمتري مندلييف للعناصر، والذي قبّلَت مشاهير الإعلام والتلفزيون والدراما بوطه على الهواء مباشرة، قبلات بالستية لها فرقعة ودويّ، بتلاوة أسماء الركاب من الهويات التي أُخذتْ للفحص في غرفة الحجز، وعادت بعد ساعة، وتطوّعَ راكب لتوزيعها على المسافرين السعداء بظهور نتائج الفحص السعيد، وكان العنصر ينطق الأسماء نطقاً عجيباً، فصومي -وهو مختصر صموئيل- بفتح الصاد صار فعل أمر لامرأة بالصوم، وكربيت صار كبريتا للحرق، والعنصر، أي الجندي، الذي لم يرد ذكره في جدول مندلييف معذور، فكثير من أسماء أهل الجزيرة أسماء أعجمية آشورية وسريانية وكردية، وكلها أقوام تدعي أنها أصل الخليقة والنشأة الأولى، وكان من بين الأسماء اسم طالبة جامعية هو: صِبا طه، وقد قرأ الويسترن الكردي الاسمين جماعة، هكذا: صباطه، ولم يضحك أحد، فالناس عن الضحك في شغل، وكل راكب ينتظر  بطاقته الشخصية بفارغ الصبر، أهو من أهل النار أم من أهل الجنة، ولابد أن صِبا قد خجلت، فالصباط في اللهجة المحلية الآشورية اسم للنعل، ولم يخطر لها أن اسمها سيقرأ بهذه الطريقة المذلّة، ولم يكن الخطأ من العنصر الذي لم يرد اسمه في جدول عناصر مندلييف، على جهله المبين، فالموظف أو العنصر في السجل المدني، كان قد كتب اسم والدها إلى جانب اسمها في خانة اسمها المفرد وكتب بصيغة الجمع على سنّة أدونيس، دون أن يكون قد سمع بهذا الشاعر، الذي نفخه الإعلام مثل طبل الثعلب في الحكاية الشهيرة، حتى صار عالمياً، وعلى ذمة بعض الفهارس، آخر الشعراء العظماء، وعلى قوائم نوبل النحاسية كل سنة، وسكت الويسترن الكردي، ووقف الطير على رؤوس الركاب، ثم عجز عن قراءة اسم هوية مغلفة تغليفا حسنا، فصاح لمن هذه الهوية وتحت أخمصه الحشر! هناك أقدار تدير الأحكام والمقادير، تشبه عنوان رواية دان بروان: ملائكة وشياطين، فإذا حضرت ملائكة الرحمة نجا الركاب، وإذا انتصرت ملائكة العذاب، نال الركاب الخزي والذل. غابت شياطين الويسترن الكردي، وتسلمَّ الركاب هوياتهم، وولدوا من جديد، وعبورا حاجز البطاطا، وهم يولدون ولادة جديدة بعد عبور الصراط.، إلى صراط جديد، فحياتنا كلها صراطات لا تنتهي.

  وجوه عناصر الحواجز كرداً وعرباً، عبوسة قمطرير، وسوى ذلك فهم أميّون أو أشباه أميين في الإدارتين الذاتيتين في القامشلي ودمشق. وجميعهم يصادرون البضاعة التركية، وقد يغنمونها، أو يصادرونها مع مخالفة مالية، والركاب يحتاطون فيحولون بضائعهم الجديدة إلى قديمة، بتلويثها بالوحل وتنكريها، وجعلها كبضاعة البالة المستعملة، والأوربية المستعملة هي أخت الجديدة، أو يطمسون شعارات الشركات التركية، وهي شائعة في الجوار وتتسرب عن طريق كردستان العليا، وعلى الراكب أن يكون حريصاً فيشرف على فحص حقيبته بنفسه، حتى لا يسرق أحد العناصر حاجاته، أو طعامه، فالأمهات تطهو لأبنائها الأطعمة المقاومة والممانعة للزمن، مثل القليّة التي عادت، واسمها التركي هو القاورما، وفي العربية تسمى الضفيف، وهو لحم يطبخ ساعات طويلة بدُهنِه، حتى يتفلّى خيوطا ونسيجا، ويُملّح، فالكهرباء شحيحة ولا تستخدم سوى لشحن الهواتف، وقد شحّ السكر والشاي والقهوة والخبز، لكن بحمد الله الملح ما زال وافراً، مع أنَّ البلاد لا تطلّ على بحر سوى بحور الدماء.

 أمر العنصر غير المذكور اسمه في جدول مندلييف الركاب بالترجّل في ملتقى الدولتين المهرجتين، وبالوقوف صفاً واحداً خلف قيادة الأسد الحكيمة. وقف الرتل في البرد والريح أمام العنصر، الذي جعل يفحص البطاقات الشخصية، ويقلّب بصره بين صورة البطاقة وصاحبها، حتى وقفت أمامه تلك الحسناء التي تشبه نانسي عجرم قبل أن يطلق زوجها نيرانا تكفي لتحرير ثكنة عسكرية على رجل زعم أنه لص، وقيل إنه ثائر، عامل، مطالب، بأجره، فناله رصاصا وكان ذلك أجره وزيادة، وتوافدت الوفود لمواساة القاتل لا أهل القتيل. وظهر من هيئة المسافرة أنها طالبة، وكانت تحمل كتاباً في ثناياه قلم رصاص، وعندما بلغت العنصر، سقطت هويتها من يدها، مثل حمامة بيضاء زاجلة تحمل رسالة أُطلق عليها النار، فانحنت الصبية تلتقط الهوية الجريحة، وعندما رفعت بصرها إلى العنصر، قرأت في وجهه غضباً تحته انتقام، فابتسمت ابتسامة تحتها خضوع، وقالت إنها لم تقصد إسقاط هويتها. السوريون يدركون أن الهوية  السورية مقدسة، وهم مذنبون، لا يستحقون حملها، وأن أغنية "لا لي ولالي أنا سوري آه يا نيالي" صارت نشيداً، من أجل الفخر بهذه الجنسية التي ليس لها مثيل بين الجنسيات، لكن وجه العنصر ظل جامداً، ويخفي تحت جلاميده رغبة في العقاب، فاضطرت الصبية إلى الاعتذار، وكان وجهها يحمل قبسا من وجه ممثلة أمريكية وقع قرد عملاق في حبها في أحد الأفلام، واستمتع العنصر بلهجتها الغريبة وتضرعها ولوعتها، وتناثر الكلمات من عنقود ثغرها حبا وعنبا، وظل وجه العنصر الذي لم يرد اسمه ووزنه الذري وتكافؤه في جدول مندلييف بارداً مثل وجه الصنم، فتابعت الصبية الاعتذار حتى إن دموعاً انبجست من عينها من البرد والانفعال، وقالت إنَّ الهوية هويتها، وإنها لم يصبها أذى، وهناك برهان على تقديسها لهويتها السورية الفريدة، هو كسوتها البلاستيكية الحافظة، وذكرت للعنصر أنها لا تفكر سوى في امتحانها، فابتدرها العنصر بعد أن عثر على مفتاح للحديث والمنادمة، وسألها عن اسم جامعتها، يقصد اسم كليتها، فهو لا يفرِّق بينهما، فقالت: انفورماتيك، فاضطرب العنصر من سماع  زمزمة عفاريت هذه الكلمة العجماء، وتذكر يأجوج ومأجوج، لكنه لم يسألها عن معناها، إكراماً لكبريائه، وبوطه الذي يُقبِّل على الشاشات بإفراط، وخشي أن تكون قد أهانته بهذه الأحجية، وتابعت الحسناء المرافعة عن جريمتها، وقالت إنَّ شدة البرد وخوف الامتحان هما السبب في سقوط هويتها من يدها على الأرض. وتوقف الرتل عن الحركة ساعة من الزمن، وتصدى للعنصر كهل، كميكازي، وضع روحه على كفه، انغماسي، آيس من عمره، و لو لم يكن الكهل من الأقليات ما جرؤ على ذاك الطلب الكافر، وهو أن يرخص للأطفال الذين كانوا يبكون بالاحتماء في الباص من البرد والريح، فوافق العنصر الذي تقبل بوطه الممثلات الجميلات على الشاشات مثل كتاب مقدس، بإيماءة من رأسه، وكانت تلك آية على أن بوطه يستحق التقبيل، وأن يقسم رئيس الجمهورية ، والوزراء به، على الحفاظ على الجمهورية ومبادئها ورعاية مصالح الشعب رعاية كاملة. وكان يحدّث نفسه بأن يقول لها إنه لن يغفر لها ذنبها حتى يدخل بها إلى الغرفة الاسمنتية المسبقة الصنع، الوحيدة، في تلك الصحراء الخالية، سوى من براكين تكرير النفط التي يتعالى منها الدخان، ويفترسها مع معطفها وحذائها، فقد لبث تسع سنوات في الحرب، وهذه هي طريقته الوحيدة للتسلية، واستمطار العزة في هذه الصحراء الموحشة. دمعتْ عينا الصبية من القهر والشدة، وحاولت أن تذكّره بأرحامه فلا بد أن له أختا، وأن يغفر لها زلّتها وعثرتها، وأن الهوية سقطت على الأرض ولم تسقط في البحر، ولم تبلعها سمكة، لكن العنصر لم ير أهله منذ أن بدأت الحرب، ليس لأن الضباط يبخلون عليه بإجازة، وإنما لأن مدينته هُدمت، وأن من بقي من أهله نزحوا إلى مكان مجهول، وسألها إن كانت تصحب وثيقة أخرى غير هويتها، فهي لا تشبه الصورة، وتذكَّر أنَّ لوجهها الوضاح قبسا من وجه بطلة فيلم القرد العملاق، فسرّتْ واستبشرت بزوال المحنة بذلك الثناء الوطني البرئ، وأبرزت جواز سفرها، والركاب يصحبون جوازات سفرهم بين الحواجز، أو هم يقصدون دمشق من أجل الحصول عليها. وكان العنصر الذي لم يرد ذكره في جندول مندلييف، والذي قبّلتْ إعلامية مشهورة، بوطه على الهواء، يتوق إلى أن يختلي بها، بل أن يتخذها دمية مثل العجوة ثم يأكلها بعد أن يجوع، وهو جائع، وأن يلتهمها مع حقيبتها، التي قلبها عدة مرات بحثاً عن خاتم سحري، وأن يقصف جميع مواقعها الثقافية المحرَّمة، ووجد إنها أجمل من نانسي عجرم في أغنية طشت الغسيل، أو أغنية المقهى الصاخبة، وأنها جميلة خلقة البارئ المصور، وأنه وقع في حبها، وقرر أن يفكَّ أسرها وأسر الباص إكراما لها، فضحّى العنصر بحبه، بعد أن بكت الحمامة على غصنها الميّاد، فعتق الكينغ كونغ رقبتها، وأذن  للباص أن يمضي حقبا.




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب