آخر تحديث:16:57(بيروت)
الجمعة 10/01/2020
share

الحرب ب"الريموت كونترول"

مهند الحاج علي | الجمعة 10/01/2020
شارك المقال :
الحرب ب"الريموت كونترول"

يُلقي قصف "الحشد الشعبي" واغتيال قاسم سليماني قائد فيلق "القدس" في الحرس الثوري الإيراني، الضوء على تبدل القدرة العسكرية الأميركية، مقارنة بالأطراف الأخرى، وعلى الانعكاسات السياسية لهذه الهوة. ذاك أن الولايات المتحدة رسمت للإيرانيين، وبعنف فاضح ومُحرج، مجالاً للتصعيد المسموح في المنطقة. وهذا التصعيد ليس متاحاً من باب الاضطرار أو حلول الوسط، بل لأن النتيجة النهائية تصب في مصلحتها، وتزيد من مبيعات صناعاتها من السلاح، ومن الإعتماد على الأميركيين في توفير الأمن لمن يدفع.

ذاك أن الفارق بين الاغتيال، وبين الرد الفولكلوري الإيراني عليه، شاسع إلى درجة أنه يصلح لحلقة كوميدية صامتة. بيد أن الإيرانيين أدلوا بسلسلة تصريحات نارية عن الرد، تراوحت بين اعادة اسطوانة الانطلاقة المليونية (للمرة المليون) لبداية نهاية اسرائيل، وبين إنهاء الوجود الأميركي برمته في غرب آسيا، وهي رقعة جغرافية واسعة تضم إلى الخليج والمشرق، أفغانستان وجورجيا وآذربيجان وأرمينيا. تبين لاحقاً أن الإيرانيين استهدفوا مساحات فارغة من الجنود في القواعد العراقية (حيث للأميركيين وجود عسكري). وبان أيضاً أن الجيش الأميركي باق حتى في العراق، ناهيك عن سوريا ودول الخليج وأفغانستان وآذربيجان. سيبقى الحصار الأميركي غير المعلن بالقواعد العسكرية، ومنصات التجسس وحاملات الطائرات ومجموعة من المقاتلات الحديثة.

والواقع أن الإغتيال نفسه، دون الرد عليه، كان لافتاً من الناحية العسكرية. أولاً، استخدمت القوات الأميركية طائرة من دون طيار من طراز "MQ-9 Reaper"، وهي سلاح فاعل للاغتيال وتحلق أعلى من الطائرات التجارية ولديها قدرة صاروخية عالية، وفقاً لتقرير في صحيفة الفاينانشال تايمز. إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما شنت حرباً بأكملها بهذه الطائرات في اليمن وسوريا والعراق وأيضاً أفغانستان، لرفع الكلفة البشرية من المعارك، خلال السنوات 2008-2016، أي طوال ولايتيه الرئاسيتين. بحسب التقرير ذاته، نفذت القوات الأميركية خلال هذه الفترة، 563 ضربة جوية في باكستان والصومال واليمن أودت بحياة مئات المدنيين (وهذا ارتفاع كبير مقارنة بـ57 ضربة بهذا السلاح الجوي نفذتها القوات الأميركية خلال ولايتي الرئيس جورج بوش). ذلك أن الحرب اليوم باتت في جزء كبير منها بالتحكم عن بعد، حتى في التجسس والاستطلاع.

شتان بين القدرات العسكرية الأميركية في مجالات الطائرات دون طيار، وبين الإيرانية في المجال ذاته، سيما لناحية الدقة الصاروخية وسرعة التحليق وعلوه. أصابت الطائرة الأميركية أهدافها بدقة متناهية، في حين يبدو أن القوات الإيرانية ارتكبت خطأ مريعاً في استهداف طائرة ركاب مدنية، لضعف القدرة على تحديد طبيعة الهدف. وهذا الفارق الهائل في القوة النارية والدقة التقنية، يتسع مع الوقت، ويتيح تجنب الإصابات البشرية المكلفة سياسياً للأميركيين، ويستعيض عنها بمعدات وقوات محلية "حليفة". والواقع أن القدرات العسكرية المتطورة تشمل أيضاً تقنيات التصوير بالأقمار الصناعية، والتي سمحت بكشف عمليات نقل النفط الإيراني ومعرفة الكميات من خلال احتساب عمق الإبحار. بكلام آخر، الأميركيون قادرون على تقليص خسائرهم البشرية مقارنة بالحروب السابقة، وقد لا تنفع حروب الإستنزاف معهم نتيجة الهوة في القدرات.

عملياً، سيعود الإيرانيون الى التصعيد ضد أهداف مدنية سهلة، من قبيل قنص المتظاهرين في ساحات بغداد، أو استهداف ناقلات ومنشآت نفطية غير محمية، لكنهم لو ارتكبوا خطأ وطالوا أميركياً، مدنياً أو عسكرياً، يبدو أن العقاب سيأتي سريعاً ... وبالريموت كونترول.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب