آخر تحديث:12:13(بيروت)
الأحد 08/09/2019
share

سوريا إذ تكشف اسرار إيران

ساطع نور الدين | الأحد 08/09/2019
شارك المقال :
سوريا إذ تكشف اسرار إيران
أنجزت إيران مهمة مستحيلة، كادت تشعل حرباً او إثنتين. واحدة في البحر المتوسط وأخرى في الخليج. النفط الذي كانت تحمله الناقلة الايرانية "أدريان داريا 1" وصل الى سوريا. إحتفلت طهران بالإنجاز الجريء، وتكتمت دمشق على دخول مليوني برميل الى إسواقها، وإبتلعت واشنطن ولندن تهديداتهما وإنذاراتهما.

تلك المهمة تسلط الضوء من جديد على واحد من أهم أسرار الحرب السورية، وأكثرها  تعقيداً: التدخل الايراني المتعدد الاوجه لمنع سقوط نظام الرئيس بشار الاسد، الذي في الاصل لم يكن عدد من كبار المسؤولين الايرانيين، بمن فيهم بارزون في مكتب المرشد علي خامنئي نفسه، يثقون به، ويعتبرون أنه لا يختلف بشيء عن صدام حسين، ويرون أنه من الخطأ تصنيفه "خطاً أحمر" إيرانياً، ويتوقعون ان تكون عملية إنقاذه وضمان بقائه في السلطة مكلفة جداً، لا سيما وأن جيشه متهالك، وفريقه فاسد ومجتمعه مفكك.. هذا عدا عن الشتائم الشخصية التي كانوا يوجهونها له ولمحيطه، والتي وصلت أصداء بعضها في الصحف الايرانية، في ذروة خلافات بين البلدين على عقود النفط والغاز والفوسفات وإعادة الإعمار.

لكن السياسة الايرانية لم تتغير، والقرار الصادر من المرشد زاد تشدداً، والتنفيذ الذي يتولاه جهاز "الحرس الثوري" يمضي قدماً الى حد المخاطرة بمواجهة بحرية مع الاميركيين والبريطانيين، من أجل إيصال النفط الايراني الى الاسواق السورية. وهو ما لا يمكن ان  يبدو فقط كشكل من أشكال التحدي للحصار الاميركي الخانق على إيران، او الحرص على عدم إبداء أي مظهر ضعف في النزاع الراهن مع أميركا، الذي دخل أخيراً في مراحله الاشد حساسية.

كمية النفط الايراني التي وصلت في الايام الماضية الى مرفأ طرطوس، هي جزء من هبة إقتصادية سنوية تقدم الى سوريا منذ سبع سنوات، وتقدر قيمتها بنحو ثلاثة مليارات دولار، وتدخل تحت بند خطوط الائتمان الموقعة بين البلدين والتي تزود سوريا بالمشتقات النفطية والسلع الغذائية الرئيسية، عدا عن الاسلحة والاعتدة والذخائر والخدمات المقدمة الى الجيش والمليشيات الموالية. وهو ما يرفع الى خمسة مليارات دولار حجم المساهمة الايرانية في بقاء النظام السوري على قيد الحياة. أي أن إيران أنفقت حتى الان على سوريا ما يصل الى 35 مليار دولار ، كحد أدنى..علما بأن الاميركيين يضاعفون هذا الرقم الى 70 مليار دولار، مثلما يضخم الايرانيون الرقم الخليجي الذي أنفق على معارضي النظام، طوال الحرب ، من 12 مليار الى 120 مليار دولار، وأحياناً الى 130 ملياراً، وربما لن يتورع الايرانيون عن ذكر رقم التريليون دولار، طالما أنها "حرب كونية"..

لكن هذا التمويل الايراني، لم تقابله حتى الان عقود ثنائية مجزية في السوق السورية، تعوض التضحيات الايرانية. والتقدير الذي يردده الخبراء لهذه العقود لا يتعدى ملياري دولار في قطاعي الكهرباء والنقل. وهو ما أسفر في الاونة الاخيرة عن تحول إيراني مزدوج، يبلغ الجانب السوري بأن السخاء المالي السابق إنتهى، نتيجة الحصار الاميركي الذي يحرم إيران من عوائد تجاراتها كلها، ويوصي النظام بان يلتفت الى الداخل السوري بحثاً عن فرص جديدة للتمويل، من خلال سد بوابات الفساد والهدر والفوضى في الادارة المالية للقطاعين العام والخاص، وما هو مشترك بينهما من عقود وإستثمارات مخصصة للاسرة الحاكمة وشركائها المخلصين.

هكذا بدأت الحملة على كبار رجال الاعمال من الاشقاء والاقرباء والحلفاء،  وهي لن تقتصر على وقف التهرب الضريبي، كما يشاع ، بل ستشمل مصادرة ملكيات وحيازات وودائع بالعملات الاجنبية، جرت مراكمتها على مدى سنوات الحرب، ولم يصرف منها سوى النذر اليسير على المجهود الحربي، الذي كانت طهران ولا تزال حتى اللحظة مصدر تمويله الرئيسي. وليس من المستبعد ان يكون لبنان ومصارفه ورجال أعماله وإستثماراته السورية المصدر، او الشريكة لأمراء الحرب السوريين، الهدف التالي لتلك الحملة.

ما يدور الان في سوريا، وينعكس في الانهيار الحاد لقيمة الليرة السورية، ليس صراع أجنحة داخل النظام. هو صراع جدي على مستقبل النظام. دفاتر الحساب مفتوحة في طهران، التي لم تموّل فقط الحرب السورية أكثر من أي طرف آخر، لا سيما الروس والخليجيين، بل غطت مالية الدولة السورية كلها، في واحدة من أكبر المغامرات الايرانية في السياسة الخارجية..التي تقترب من ساعة الحقيقة.         


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ساطع نور الدين

ساطع نور الدين

رئيس تحرير جريدة المدن

مقالات أخرى للكاتب