آخر تحديث:08:41(بيروت)
الخميس 05/09/2019
share

مئوية لبنان وعثمانيته

ساطع نور الدين | الخميس 05/09/2019
شارك المقال :
مئوية لبنان وعثمانيته Getty ©
فليسامح الله من أطلق الفكرة وروّج لها طوال سنوات حتى وصلت الى الرئيس ميشال عون، الذي تلقاها مجردة ، خالية من أي توضيح او توصية، فحوّلها، كعادته، الى قنبلة موقوتة.

في البدء، كانت فكرة الاحتفال بالمئوية الاولى لذكرى إعلان لبنان الكبير، إبتكار مناسبة وطنية وجعلها عيداً رسمياً يحتفل خلاله ببقاء لبنان على قيد الحياة قرناً كاملاً، وصموده مئة عام برغم الزلازل والبراكين التي ضربته ولا تزال.. وإفتعال عرسٍ جمعيٍ للوحدة الوطنية، يقسم فيه المسلمون مجدداً، وبأغلظ الايمان، ان لبنان هو وطنهم النهائي، الذي لا بديل له ولا شريك، ويحلف فيه المسيحيون بان لبنان هو وطنهم الوحيد، الذي لن يغادروه مهما جار عليهم الزمن.. ومهما قسى عليهم الإحصاء السكاني.

الاحتفال إنطلق من قصر بعبدا، في الاول من ايلول الحالي، على ان تكون الفترة الممتدة حتى الاول من ايلول العام 2020، مكرسة لسلسلة من المنتديات واللقاءات والمعارض والاغاني والاناشيد وربما الدبكات الخاصة بالمناسبة..لكن الانطلاقة، التي كان يجب ان يعهد بها لأهل الاختصاص في التاريخ والثقافة والسياسة، أشعلت شرارتين، واحدة مع الدولة التركية الوارثة للامبراطورية العثمانية،  التي إتهمها الرئيس عون بالارهاب، وثانية بين المتصرفيات الطائفية اللبنانية، التي كانت كمن ينتظر حجة لتعميق الانقسام الوطني وتجديد الاشتباك الاهلي.

في الاصل، كانت الفكرة ساذجة، برغم النوايا الحسنة التي حركتها. أما اليوم فقد ثبت أنها فكرة رديئة، بل ربما خطيرة، وما يزيدها خطورة الآن أنها لن تكون بمنأى عن التورط في الجدل حول مستقبل سوريا.. تماما كما لم تكن في الماضي عملية تأسيس لبنان قبل مئة عام، معزولة، ولا منفصلة عن تأسيس أربعة كيانات سورية طائفية، في وقت واحد تقريبا، تعكس الخطة الفرنسية في حينه للتعامل مع المسألة الشرقية.. وهو ما لم يكن مدعاة فخر لأي لبناني أو سوري.

التلويح بالخرائط الاستعمارية، ولو لأغراض فولكورية، لم يكن في أي يوم من الايام عملاً مستحباً في المشرق العربي خاصة. وليس هناك خريطة مشرقية تخلو من الدماء، التي تسفك اليوم في سوريا بغزارة شديدة، وتصبغ باللون الاحمر القاني الحدود الداخلية نفسها التي رسمها المستعمر الفرنسي، والتي جرى تعديل معظمها في لبنان نتيجة الحرب الاهلية الاخيرة، برغم الانكار اللبناني الدائم لذلك.

الاحتفال بإعلان القيامة الاولى ما زال سابقاً لأوانه في لبنان، وما زال خارجاً عن السياق في سوريا. التعبير عن الوفاء  للخريطة الفرنسية التأسيسية، لا يعني الكثير،لأنه لم يكبّر مساحة لبنان لما كانت عليه في عهد الاميرين فخر الدين المعني او بشير الشهابي. ولأن  تجديد الالتزام بتلك الخريطة، لن يخفف الشعور المسيحي بعبء الخطيئة الاصلية، التي لم تحد من هجرتهم، ولن تعزز الزهو الاسلامي بالكثرة والغلبة، في ظل الصراع المذهبي المحموم بين السنة والشيعة على وراثة المسيحيين.. والاسوأ من كل ذلك أنه يخدم شياطين حلف الاقليات بين الموارنة والشيعة كما تصوره المستعمر الفرنسي منذ ما قبل مئة عام، وكان في خلفية الفكرة الفرنسية عن "لبنان الكبير".

أما توجيه الاحتفال ومنذ اللحظة الاولى نحو الاشتباك مع تركيا، وتاليا، نحو العناق مع فرنسا، كما هو مفترض، فإنه عمل لا ينم عن دراية او حكمة، أمام محكمة التاريخ العثماني للبنان، وسوريا طبعا، الذي لا يجوز أن يختزل بالاضطهاد أو يوسم بالارهاب، أو أن تمحى منه صفحات الحداثة التي عممها في المشرق العربي.. ولا أيضاً أمام محكمة التاريخ الفرنسي، الحداثي، للبنان الذي لا يخلو من الأخطاء، وبينها تلك الخريطة التي رسمت على عجل، ولم تصبح دولة حتى الآن.

الاحتفال، أو ما يشبهه، هو شأن المؤرخين وحدهم، برغم أنهم عجزوا طوال القرن الماضي عن توليف كتاب موحد للتاريخ اللبناني، يوزع على طلاب لبنان وطالباته من دون قلق، وتصل نسخ منه الى طلاب سوريا وطالباتها من دون خوف.. وترسل نسخة منه الى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي لم ينجح أحد في إقناعه أنه ليس عثمانياً، ولا حاجة لأن يكون عثمانياً!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ساطع نور الدين

ساطع نور الدين

رئيس تحرير جريدة المدن