آخر تحديث:09:22(بيروت)
السبت 28/09/2019
share

دستور الباذنجان

أحمد عمر | السبت 28/09/2019
شارك المقال :
دستور الباذنجان

نعِمّتِ البدعةُ تسمية مؤتمرات المؤامرات على الشعب السوري بأسماء الطعام والفواكه، فهي أولى من الأرقام وأكرم، وألصق بالذاكرة، مثل مؤتمر البوظة في روسيا، ومؤتمر التين في أنقرة، وهي أصوب تسميةً من تسميات المؤتمرات التسلسلية (كما في جرائم القتل التسلسلي) مثل: جنيف واحد وجنيف اثنين وجنيف ثلاثة، وأستانة واحد وأستانة اثنين، التي تحولت إلى توابع رياضية تحتاج إلى حل. الصينيون يسمّون الأعوام والسنين بأسماء الحيوانات؛ سنة النمر، سنة الأرنب، سنة التنين،...  نحن نسمي بها العهود المعاصرة؛ عصر الأسد الذي طال نصف قرن، عصر الأسد الدبي، وهو نفس العهد السابق بعد ضبط المصنع.


وتواجهنا مشكلة عويصة وهي تسمية مؤتمرات السيسي الشبابية المكسيكية التي بلغ عددها ثمانية، فكلها مؤتمرات البلحة، ولا بد من الاستنجاد بالأعداد، بتسميتها، مؤتمر بلحة واحد وبلحة اثنين.. أما إذا سميت مؤتمرات الأسد بأسماء الطعام فأولى بها تسمية: مؤتمرات الشنكليش، وهو طعام سوري، ونوع من الأجبان أو الألبان المعتّقة، ويعتبر أحد أهم المقبلات السورية، يقدم بارداً بعد إضافة زيت الزيتون والبندورة والبصل إليه، قيل إنه لذيذ وبلا فائدة غذائية. والمكسيكية وصف يستلزم أمرين هما؛ الطول، وبراعة النشل.


فيديوهات محمد علي مسلسلة عندي باسم «فيديوهات البيتنجان»، وأعرف رقم حلقة مسلسله من لون قميصه، وهو لله دره يكرر لفظ البيتنجان في كل فيديو، وثمة نوع أبيض من الباذنجان أبرص، البيتنجان لفظ ساخر يطلقه محمد علي على نظام البلحة. وقد نرى فيلماً يوماً اسمه: بلحة بس بيتنجان. ألم يقل السيسي: أنا مش بتاع سياسة؟

- هو بتاع بيتنجان.
وتروى حكاية شهيرة عن الأمير بشير سنضطر إلى التذكير بها لعل الذكرى تنفع المؤمنين، وهي أنه قال لخادمه يوماً: نفسي تشتهي أكلة باذنجان، فقال الخادم: بارك الله في الباذنجان، هو سيّد المأكولات بلا منازع، لحم بلا شحم، وسمك بلا حسك، يؤكل مقلياً ومشوياً ومحشياً بالكاجو.. وراح الخادم يعدد فوائده، حتى اندهش الأمير من بطولات الباذنجان كأنه عنترة الخضار يصول في حومات المطبخ بطعمه البتار.


هذا ما كان من أمر الخادم ثكلته أمه، أما الأمير فقد دخله شرٌّ مستطير فقال للخادم الخبير: ولكني أكلت منه قبل أيام، فنالني منه ألم في معدتي، فقال الخادم: لعنة الله على الباذنجان.. إنه ثقيل، غليظ، نفّاخ، أسود الوجه، متهم بالإرهاب، إخوان مسلمين.. وهنا قال له الأمير: ويحك يا ابن اللخناء! تمدح الشيء، وتذمّه في وقت واحد؟ فقال الخادم: يا مولاي أنا خادم للأمير، ولست خادماً للباذنجان، إذا قال الأمير نعم قلت «نعم».. وإذا قال: لا.. قلت «لا»! فسُرُّ الأمير منه، فالأمراء يحبون طعم الطاعة أكثر من طعم الباذنجان.


الباذنجان لفظ فارسي، هو مهرِّج الخضروات، له ألوان أشهرها المنيّل بستين نيلة، ويأتي مزاج التهريج فيه من أمرين؛ الشكل والاسم، والمضحك في شكله أيها السادة المقيمون والنازحون، هو مصالحته الوطنية بين سواد عنترة بن شداد وضخامة إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، كما أن للباذنجان تاجاً ملكياً، فكأنه عطيل في مسرحية شكسبير، أو عنترة وقد بان في وجهه النكير.


وهو كائن شعبي في مملكة الخضار غير الاشتراكية، مرذولٌ ومباحٌ ومشاع، وخفيف الوزن، رغم كبر الحجم، ليس له محل في أطباق الزينة، ولا لوحات سيزان الصامتة؛ مثل الموز والتفاح والخيار والبندورة الحمراء، قليل السعرات الغذائية، وتتحد في نظم الباذنجان العربية السلطات الثلاث اتحاداً، فهي على معدة رجل واحد قاتله الله، والسلطة الرابعة باذنجانية مثل خادم الأمير بشير،  فطعم الباذنجانة عمرو أديب لا يختلف عن طعم شريف شحادة عبر الأثير، وإن كان لعمرو أديب فضّلٌ على شحادة فهو  لصناعة البابا غنوج منه، ولا يصلح الباذنجان السوري الحالي لصناعة المكدوس، لكنهم جميعاً صالحون للتجفيف والأكل في الشتاء. الباذنجان المجفّف له طعم الكاوتشوك، وأحياناً طعم الخشب.


ويستخدم الباذنجان للسخرية والاستهزاء في الأمثال الشعبية، فالباذنجان لفظه يشبه لفظ السلطان، والصولجان، والمهرجان، ولعبة الكونكان، وكان ياما كان، فهي ألفاظ بنفس قافية الشيطان، وهو أيضاً رخيص، ذليل في البلاد العربية، أما في أوروبا فالخضروات بسعر متقارب، والسبب هو أن سعرها يعتمد على أجرة نقلها لا على سُعراتها.


وهو كبير الحجم قليل الفائدة الغذائية كما أسلفنا، فليس بالباذنجان وحده تبنى الأوطان كما قال هوبز، إلا إذا حشي بالرز الخليجي واللحم الضأن ودُعم بالشرعية الدولية. ويستحق دستور سوريا الجديد، وصفاً هو «دستور الباذنجان».


لم تسفعنا الأمم المتحدة بالغذاء والدواء سوى الذي كان يذهب إلى معدة النظام والباذنجانيين والباذنجانيات من صبايا العطاء اللاتي ذكرْننا بالبغاء المقدس، ولا بالأسلحة، وبقليل من الخيام التي لا تصمد للريح، لكنها اجتهدت أحسن الاجتهاد في صنع الدستور على مقاس البطيخ أو الفليفلة، وهو طبخة الشعب، وجمعت 150 طباخاً في سيارة قلاّب، بعد مسابقات دموية. وكنا نبحث في قوائم أسماء المطلوبين لنظام الأسد الباذنجاني، فصرنا نبحث في أسماء طباخي الدستور عن خصماء نعرفهم، ليطبخوا لنا طبخة مسمومة إذا أُكلتْ أثقلت المعدة، وورمت الشفتين، وأهاجت السعال، وأصابت آكلها بالغثيان، وسببت الإسهال، بسبب احتوائها على الأوكسالات المندسّة.


فاصل ونواصل:
وجاء في ذمِّ الباذنجان، في كتاب «نثر المحاضرات»، عن أبي الحارث جمّيز أنه قال في الباذنجان: لا آكله، لون العقرب وشبه المحجمة. قيل له: فقد رأيناك تأكله على خوان فلان! قال: كان ميتةً وأنا مضطرّ.


وكان الخليفة الواثق، واسمه هارون بن محمد بن هارون، أكولاً، وكان مفتوناً بحبِّ الباذنجان، أي باذنجانيات، وكان يأكل في أكلة واحدة أربعين باذنجانة؛ فأوصى إليه أبوه، وكان وليّ عهده، أنه كان يحبُّ الباذنجان ويكثر من أكله ومعظم الرمد بالعراق من أكل الباذنجان لحرِّ الإقليم، والسوداء المتولدة من أكله، فبعث إليه أبوه المعتصم وقال له دع أكل الباذنجان واحفظ بصرك، فمتى رأيت خليفة أعمى؟ فقال للرسول: قل لأمير المؤمنين إني تصدّقتُ بعيني على الباذنجان.


وفي هجائها قال الشاعر:
مُدَوّرَةُ سودَ المتونِ كأنها ... خصى الزَّنج لاحت تحت فِيَش قوائمِ
فأبشارها تحكي بطون عقاربِ ... وأرؤسها تحكي أنوفَ محاجمِ


وفي كتاب «الإمتاع والمؤانسة»، قال أبو سعيد الذهبيّ الطبيب: لو علم الّذي يحمل الباذنجان أنّ على ظهره باذنجاناً لصال على الثّيران.
وجاء في كتاب «نثر الدرّ في المحاضرات» في ألقاب الْأَطْعِمَة وَغَيرها على مَذْهَب الطفيليين أن لقب الباذنجان هو: قباب يَاسر وحديثاً: قصور السيسي.


وجاء في الخبر: كلوا القرع واجتنبوا الباذنجان. وقيل لأعرابي: ما تقول في الباذنجان، قال: لونه لون بطون العقارب، وأذنابه كأذناب المحاجم، وطعمه طعم الزقّوم، فقيل: إنه يحشى باللحم ويقلى بالزيت فيكون طيباً، فقال: لو حشي بالتقوى وقلي بالمغفرة وطبخته الحور العين وحملته الملائكة ما كان إلا بغيضي.


وجاء في «نهاية الأرب»: قال ابن وحشيّة في كتاب «أسرار القمر» في توليده: وإن أردتم الباذنجان فخذوا خصيتي التّيس وعروقاً من عروق الباذنجان فألقوها على الخصيتين بعد أن تجعلوا الخصيتين في الأرض، وخذوا إحدى كليتيه واجعلوها فوق العروق، واطمروا ذلك في الأرض، فإنّه بعد أربعة أسابيع تنبت منه شجرة الباذنجان، فإذا نبتت فحوّلوها إلى موضع آخر فإنّها تنمو؛ هذا ما قيل في توليده، ولم يذكر ابن وحشية كاترين أشتون، والله أعلم بالصّواب.


عودة إلى الأوتوستراد والدستور:
وقد وجدنا أنَّ الأمم المتحدة أجهضت الثورة السورية، وأرادت إنهاء الصراع قبل نهايته، فجمعت هؤلاء الباذنجانيين حتى يتفرق دم الشعب السوري بين القبائل، وعملت مكدوس الدستور محشياً بمكسرات البحص والرمل. بحثنا بين هؤلاء الباذنجانيين المائة وخمسين فوجدنا باذنجاناً أبيض اللون وأسود وأزرق وبمبي من القوارير النسويات، لكن الطعم واحد، ومنهم قشور باذنجان، ومنهم بيض عجل (نوع منفوخ من الباذنجان) ومنهم مبذّر مذاقته كطعم العلقم (باذنجان لا لحم له) وهم يستحقون شتائم محمد علي التي من أجلها أتابع فيديوهاته واحداً واحداً، فكلما شتم انتعشت روحي وزغردت نفسي، فهو يعامل السيسي بما هو أهله. وقد سعدت أمس باعتقال شخصية مصرية تحمل الدكتوراه في العلوم الباذنجانية، فلن أراه بعد اليوم على التلفزيون يقدم تحليلات سياسية بتنجانية، 


لقد تداركت الباذنجانة الليبرالية نفسها وغرّدت تغريدة شجاعة وقفزت بنفسها بين الفواكه الأخوانية في معتقلات البلحة.


ومن نَوَادِر أبي الْحَارِث جمين: أنه قيل لَهُ يَوْماً: مَا تشْتَهي؟ فَقَالَ: نشيش مقلاةٍ بَين غليان قدرٍ على رَائِحَة شواءٍ. وَكَانَ لَا يَأْكُل الباذنجان، فكايده مُحَمَّد بن يحيى وَاتخذ ألوانه كلهَا باذنجان، فَجعل كلما قُدّم لون فرابه الباذنجان فِيهِ توقّاه، وَأَقْبل على الْخبز وَالْملح؛ فَلَمَّا عَطش قَالَ: يَا غُلَام، اسْقِنِي مَاء لَيْسَ فِيهِ باذنجان.


اللهم نصراً لَيْسَ فِيه باذنجان.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها