آخر تحديث:00:26(بيروت)
الأحد 22/09/2019
share

السيسي على الزحليقة

أحمد ناجي | الأحد 22/09/2019
شارك المقال :
السيسي على الزحليقة الأمن يحاول إمساك العصا من المنتصف، يحتاج صور التظاهرات لنزع شرعية التفويض عن السيسي
أقفل السيسي البلد. لا سياسة، لا مجتمع مدنياً، لا إعلام، ولا حتى شبكة علاقات يمكن أن تشكل هلام نظام ما. يوماً بعد يوم، تساقط المؤيدون. انقلابات السيسي دراماتيكية وحادة وعنيفة، وتطاول حتى أقرب الناس والمؤيدين. فكل الرموز الإعلامية التى انحنت له، رماها في سلة النفايات، ولم يتبق منهم سوى عمرو أديب الذي أنقذه متعهد خليجي في النهاية.

شَكُّ السيسي في كل من حوله، دفعه إلى الاعتماد على العائلة والأسرة المقربة. أتى السيسي للحكم ومعه صديقان رفيقا درب: عباس كامل مدير مكتبه وحامل "الروب"، ومحمود حجازي رفيقه من السلاح نفسه والمخابرات الحربية ونسيبه، حيث "الواد متزوج من البنت". لكن عند أول خلاف مع حجازي، عزله من منصبه كرئيس أركان، وفرض عليه الإقامة شبه الجبرية.

مثلما لم يثق السيسي في أحد، فبالتأكيد من حوله لا يثقون فيه، ويدركون أن تقلبات مزاجه حادة، ولا رحمة لديه ولا تقدير أدبياً أو سياسياً. ولإلهاء جنرالات الجيش، خلق السيسي شبكة ضيقة من المصالح الاقتصادية، ليتصارعوا على الفتات الذي يلقيه لهم، مزارع سمَكية على مبانٍ عشوائية، وقد كشفت فيديوهات محمد علي طيفاً من صراعات تلك الشبكة.

بالأسماء، كشف محمد علي كيف يتصارع جنرالات الصف الثانى للاستحواذ على مزارع سَمَكية أو إدارات فنادق سياحية شبه فاشلة. جمهور فيديوهات محمد علي، بالتأكيد لم يكن الشعب المصري، مثلما يتحدث دائما في فيديوهاته، بل ضباط الجيش، الجنرالات الذين لم ينالوا جزءاً من الكعكة. يُقال إن محمد علي مدعوم من جهات داخل مؤسسات الدولة، وهو أمر لا ينكره الرجل الذي تربطه روابط نسب بلواءات ورجال على رأس مؤسسات عسكرية لا يزالون في مواقعهم حتى الآن. لكن حديثه يعبر عن تململ وغضب واضح داخل قطاع رجال الأعمال، وداخل قطاع المنتفعين من شبكة المصالح الحالية. فحتى هؤلاء يتم التضييق عليهم والاستيلاء على أموالهم ومعاملتهم بطريقة لا تختلف كثيراً عن طريقة تعامل السيسي مع من يصفهم بالأشرار.

في المقابل تمتد أذرع أسرة السيسي في كل مكان. فمحمود في المخابرات يسيطر على الملفات الحيوية، ومصطفة في الرقابة الإدارية يراقب الدولة ومفاصل الإدارة.

العناصر كلها مُعدَّة لتعاظم الغضب.

يظن السيسي أنه يحتمى بالجيش، وأن كل ما يحتاجه ليحكم هو السلاح. رفض الظهير السياسي والإعلامى. لذا، حينما حدث الشقاق داخل المؤسسة العسكرية، لم يجد طرفاً آخر يحتمى به أو يدافع عنه. لم يرد أحد على فيديوهات محمد علي، حتي اضطر السيسي شخصياً في النهاية أن يظهر ويردّ، فزاد الطين بلة، وصبَّ بكلامه المستفز البنزين فوق النار المشتعلة داخل المؤسسات الأمنية وفي الشارع أيضاً.

في زمن آخر، كان يكفي أن تتحرك كتيبة لتحاصر التلفزيون، ويظهر زكي في بيان للشعب يعلن حركة التطهير والتصحيح. في زمن آخر، أي جنرال واثق في إخلاص كتيبته، ومعه تليفون السفارة الأميركية، كان يمكن أن يتحرك ويهدّ بنيان السيسي، لكن الآن قواعد اللعبة تغيرت، والدبابة ليست كافية للحكم، وليست كافية للقيام بالثورات أو الانقلابات.

بتعليمات واضحة، ظهرت آثارها في تعامل قوات الأمن، الجمعة 20 سبتمبر، خرجت المظاهرات ليلاً في في القاهرة وفي عدد من المحافظات. مظاهرات قليلة العدد كبيرة التأثير. فالروح التى قُتلت في الشوارع منذ سنوات، تولد بهتافات وغضب جديد. الأمن يحاول إمساك العصا من المنتصف، يحتاج صور التظاهرات وفيديوهاتها لنزع شرعية التفويض عن السيسي، وتبرير أي تحرك من قبل أي طرف في مؤسسات الدولة.

اللعبة دقيقة جداً، أطراف داخل الدولة والمؤسسات الأمنية والعسكرية لديها طموح القفز. ومجتمع مقهور في حالة من الفقر والإرهاق، نشطاؤه ونخبته بين المنافي والسجون والاختفاء القسري. وأطراف خارجية وإقليمية بالتأكيد بدأت في التحرك لاستشراف المستقبل وللبحث عن شركاء يمكن دعمهم الآن، من أجل الرهان على ولائهم غداً، مثلما اشترت السعودية والإمارات السيسي بدعمهم له في 30 يونيو.. فهل يستمر دعمهم له؟ أم يراهنون على طرف آخر؟ أم تنجح أطراف خارجية أخرى في دعم رجالها؟

بلغة محمد على "الجيم فاير". الملعب الآن مفتوح. من المستحيل التكهن بالآتي.
لكن حتى الآن، فالواضح هو:

- انشقاق واضح، وليس مجرد صراع، بين الأجهزة الأمنية. ومثل هذه الانشقاقات لا يمكن أن تنتهى بالأحضان. فإما خلع السيسي وشبكتة، وأما سيسجنهم السيسي ويسجن عائلاتهم ويصادر أموالهم، ويشردهم داخل مصر وخارجها، مثلما فعل مع رئيس الأركان السابق سامى عنان.

- دخان الغضب الشعبي تسرب إلى الشوارع والميادين، ورغم السيطرة الأمنية على الأوضاع، فالغضب سيتزايد بالتأكيد، وستظهر أشكال مختلفة من الغضب الشعبي، وفي لحظة غير متوقعة قد تنطلق الرصاصة من مكان ما، فيخرج الفيضان الشعبي الحقيقي.

- النخبة الثورية القديمة، في حالة إرهاق وذهان نفسي. الأثر العاطفي ليناير موجود، لكن اللياقة الذهنية والبدينة منتهية، وعلى الجثث القديمة أن تنحي مكاناً للجثث الجديدة. ستظهر قيادات ورموز جديدة، وبالتأكيد محمد علي سيكون أبرزها، ومصدر إلهام لأجيال جديدة.

- صفحة الموقف المصري في "فايسبوك"، وبيانات أحزاب التحالف الشعبية والعيش والحرية، هى الصوت الوحيد الآن. وبالتالي، فالمطالب التى رفعتها صفحة الموقف المصري، ستكون المطالب المطروحة مع استمرار الحراك في الشارع.

- السيسي الآن على الزحليقة، لكن إذا عاد إلى مصر، فغضبه وانتقامه سيكون عنيفاً ووحشياً، سواء ضد الأجهزة المتمردة أو ضد الشعب. إذا لم ينجح هذه التحرك في ركل السيسي، فسيحفر قبور جماعية لنا جميعاً، سواء مَن يرتدون الزى العسكري أو المدني، في الخارج أو الداخل.

- أياً كان الآتي، يجب عودة الدعم السِّلعي، وتخفيف أدوات العذاب الاقتصادي التى فرضها السيسي، والإفراج عن المعتقلين، سواء المحبوسين احتياطاً أو على ذمة أحكام، أو الخاضعين للمراقبة.

- شرعية التفويض انتهت. وأي مستقبل للسيسي سيكون بالحكم بالسلاح فقط، وبالسلاح في يد أسرته. ويستحيل حكم مصر بتلك الطريقة. لأن السيسي، ومرة أخرى بلغة محمد علي، ليس "آيرون مان".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها