آخر تحديث:08:14(بيروت)
الأحد 15/09/2019
share

ايران بين بولتن والصدر

حسن فحص | الأحد 15/09/2019
شارك المقال :
ايران بين بولتن والصدر مقتدى الصدر (انترنت)

لم يكن اصرار رأس الدبلوماسية الايرانية محمد جواد ظريف منذ اعلان الرئيس الاميركي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض العقوبات ضد النظام الايراني، على التصويب السياسي على مستشار الرئيس للامن القومي جان بولتن واعتباره رأس الهرم في المجموعة التي اطلق عليها اسم مجموعة (B)، من فراغ، فهو الشخصية الاميركية التي لم تعتمد الدبلوماسية في اعلان مواقفها من النظام الايراني، الى الحد الذي وقف علانية الى جانب المعارضة الايرانية بزعامة مريم رجوي وجماعتها – مجاهدي خلق- واعلن في خطاب قدمه في اجتماعها ما قبل الاخير الذي عقد في احدى الضواحي الباريسية عن عزمه في عقد المؤتمر القادم في طهران وقبل الاحتفالية السنوية بانتصار الثورة، وهو جرم لا يمكن للنظام الايراني أن يتسامح معه، في وقت يمكن ان يتغاضى عما دونه. 

قرار ترامب ازاحة او اقالة بولتن من منصبه، وان كان السبب المباشر له كمية المواقف غير الدقيقة التي اتخذها بولتن في العديد من الملفات من بينها الملف الايراني، بناء على ما قاله ترامب نفسه. من المفترض ان يشكل مصدر "فرح" لقيادة النظام بالتخلص من احد ابرز الصقور التي تساهم في عرقلة جميع محاولات التوصل الى حلول مع ادارة ترامب وتفتح الطريق امام التخلص من الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تتعرض لها جراء الحصار المفروض او ما اسماه ظريف  بـ "الارهاب الاقتصادي"، الا ان الامور في الداخل الايراني لم تسر باتجاه الاحتفاء بهذا القرار على الرغم من مسارعة بعض المتشددين وخطباء المساجد باعلان شماتتهم في الاطاحة بألد "الاعداء" لايران في الادارة الاميركية، اذ فضلت الدبلوماسية الايرانية ومن ورائها النظام بمؤسساته الرسمية وصاحبة القرار بالتزام اقصى معايير الحذر والترقب في التعامل مع ابعاد قرار ترامب، انتظار ما ستحمله التطورات الداخلية الاميركية وانعكاساتها على الملفات الدولية التي كانت في دائرة نشاط بولتن، خصوصا ما يتعلق بمستقبل تعامل ادارة ترامب مع الملف الايراني وكيف ستتم ترجمة هذه المستجدات في حال حصلت. 

وعلى الرغم من ان غالبية المراقبين في داخل ايران وخارجها، رأت في قرار ترامب مؤشرات ايجابية تمهد لفتح صفحة جديدة مع ايران تخفف من التوتر بين البلدين وتساهم في تمهيد الطريق امام مفاوضات مباشرة، خصوصا في ظل ما يدور الحديث عنه حول ليونة بدأت تتبلور لدى الرئيس الاميركي في التعامل الايجابي مع المبادرة الفرنسية والتي تقوم على موافقة واشنطن على فتح اعتماد مالي اوروبي بقيمة 15 مليار دولار كتعويض لايران عن خسائرها في قطاع النفط واطلاق عمل آلية التعامل المالي والتجاري، مقابل عودة طهران عن كل الخطوات التي اتخذتها في تقليص تعهداتها في الاتفاق النووي، ووعد بالتفاوض حول الملفات الاقليمية في المستقبل غير البعيد. على الرغم من كل هذه المؤشرات، يبدو ان القيادة الايرانية تعتقد او ترى في خطوات ترامب وهذه الليونة "المدروسة" التي يبديها او سيبديها نحو ايران لا تؤسس لعملية تفاوضية وحوارية ثابتة ومثمرة، بل تهدف بشكل اساسي من اجل التمهيد لامكانية عقد لقاء مباشرة بينه وبين نظيره الايراني حسن روحاني على هامش الجمعية العمومية للامم المتحدة في اكثر التقديرات تفاؤلا، او في اي وقت اخر قبل دخول المعركة الانتخابية مرحلة التنافس الشديد. 

من هنا، فان التصلب الايراني في رفض التعامل الايجابي مع مبادرات ترامب او الجهود الفرنسية، يأتي من منطلق ان اي ايجابية ايرانية في ما يتعلق باللقاء بين الرئيسين يعني تخلي طهران عن اخر "محرماتها" في التعامل مع الادارة الاميركية، لان اللقاء يعتبر خط النهاية لكل المواقف المتشددة للنظام من "الشيطان الاكبر" وخسارة اخر امكانية للمناورة في التعامل مع واشنطن حول الملفات الخلافية، لذلك فان قرار اللقاء لا يقع في دائرة صلاحيات الرئيس روحاني حصرا، وقد اتضح ذلك في ردة الفعل التي واجهها روحاني بعد اعلان موقف "متشدد" عن استعداده لعقد لقاء مع اي شخص يكون فيه تأمين مصلحة الشعب الايراني الوطنية والقومية، والتي فهم منها استعداد لعقد لقاء مع ترامب خصوصا بعد ما اعلنه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بعد قمة مجموعة السبع في بياريتز حول ذلك، بل تتعداه الى مستويات ارفع واعلى وتدخل في دائرة صلاحيات المرشد الاعلى الذي يملك حصرا صلاحية اتخاذ ورسم السياسات الاستراتيجية للنظام، وهذه المرة من المفترض ان يمر هذا القرار بقناة التشاور مع المؤسسة العسكرية لحرس الثورة الاسلامية. 

في المقابل، ردت ايران – النظام والمؤسسة العسكرية- على الضغوط الاميركية المستمرة والمتصاعدة برسالة عراقية واضحة تكشف مدى القلق الايراني وحجم الجهود التي تبذلها من اجل تعزيز امساكها بهذه الساحة وقطع الطريق على اي امكانية لاحداث خرق فيها، فجاء الاستقبال المترافق مع حفاوة غير عادية لزعيم التيار الصدري رجل الدين مقتدى الصدر من قبل المرشد الاعلى والى جانبه الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس المعني بالملفات النفوذ الايراني الاقليمي ويلية قائد الحرس الجنرال حسين سلامي ومعه جنرالات اخرون، في ظل غياب الرئيس روحاني عن هذه المشهدية، ما يحمل على الاعتقاد بوجود رسالة واضحة من جزء من النظام يتقدمهم المرشد موجهة لادارة روحاني وجهازه الدبلوماسي برفض اي امكانية لموقف يشي بليونة ايرانية قد يفهم منها تنازل او تراجع بسبب الخوف واستجابة للضغوط التي تمارسها ادارة ترامب تمهيدا لعقد اللقاء المباشر بين الرئيسين من دون حصول اي تفاهم مسبق حول اسس التعاطي والتعامل مع الملفات العالقة بين الطرفين بعد رفع العقوبات. 

قد يكون النظام بكل مؤسساته السياسية والامنية والعسكرية لا يمانع من حصول تفاوض مباشر مع الادارة الاميركية، الا انه لا يريد لهذه الخطوة ان تكون متسرعة وغير مدروسة، لذلك فانه يعمل على احكام سيطرته على كل اوراق ملفاته الاقليمية ومنع حدوث اي خرق فيها قد يكلفه اثمانا في المستقبل على طاولة المفاوضات، لذلك فان الرد الذي اختاره على دعوة ترامب لعقد لقاء مع روحاني جاء باعادة ترتيب البيت العراقي باعادة استيعاب مشاكسات مقتدى الصدر وتوحيد هذه الساحة فيما يتولى حزب الله الحليف اللبناني مهمة رفع مستوى التصعيد على جبهة التماس مع اسرائيل لاشغال نتنياهو والحد من اثاره السلبية على المسارات السياسية المحتملة للتفاوض مع واشنطن على الملفات الاقليمية. 




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها