آخر تحديث:08:12(بيروت)
الأربعاء 11/09/2019
share

بوتين لا يربح انتخابات نزيهة

بسام مقداد | الأربعاء 11/09/2019
شارك المقال :
بوتين لا يربح انتخابات نزيهة
أثناء دراستنا في الإتحاد السوفياتي ، كنا ننتظر مع الروس يوم الإنتخابات بفارغ الصبر ، لا لنبتهج بالعيد ، كما كان السوفيات يسمون يوم الإنتخابات ، بل لنتصيد بعضاً من معظم السلع ، التي كانت مفقودة في السوق، وتظهر في ذلك اليوم أمام مراكز الإقتراع .  وكان الروس يتندرون ويطلقون على تلك السلع تسمية "مصيدة الديموقراطية" ، إذ كانت مدعوة لإضافة القليل من الترغيب إلى التكليف الحزبي الصادر بوجوب الحضور لممارسة "الحق الديموقراطي" في الإنتخاب ، إذ لم يكن في تلك الإنتخابات ما يذكر بالديموقراطية. فقد كانت لوائح المرشحين من "أتحاد الشيوعيين واللاحزبيين" تنحصر بلائحة واحدة في كل منطقة ، تحددها اللجان الحزبية في المنطقة المعنية ، وعلى الناخبين الحضور للتأكيد عليها .

الإنتخابات في عهد بوتين تُذكر بالإنتخابات السوفياتية ، إذ يرفض الكثيرون من المعارضين إطلاق تسمية إنتخابات عليها . وقد جرت الأحد المنصرم 6 آلاف عملية إنتخابية في جميع أنحاء روسيا ، شملت مستويات مختلفة من انتخاب حكام للمناطق وصولاً إلى انتخاب مجالس تمثيلية في المدن والأقاليم . وللمرة الأولى جرت الإنتخابات بكافة مستوياتها في يوم واحد ، وتم خلالها اختبار التصويت الإلكتروني، أو التصويت عن بعد ، في ثلاث مناطق في موسكو . 

في تعليقه على الإنتخابات تلك، يقول الملياردير الروسي السابق ميخائيل خودورفسكي ، الذي أمضى أكثر من عشر سنوات في سجون بوتين ، أنه من الصعب إطلاق تسمية "إنتخابات" على ذلك  الذي جرى الأحد في 8 الشهر الجاري ، وعلى ما كان يجري قبله في مثل هذه الحالات . ويقول بأن النتيجة الرئيسية للإنتخابات تلك تمثلت في الإستخدام الواسع للقمع السياسي، رداً على الإستياء المتزايد من قبل المجتمع. وقد جرت الحملة الإنتخابية بمجملها في ظل الضغوط الهائلة على المرشحين المستقلين، وتوقيفهم من قبل الشرطة وسجن البعض منهم واتهام آخرين بأفعال جرمية. ويقول ، إن هذه ليست سوى البداية ، إذ أن ممارسة القمع سوف تتزايد ، إذا لم يرص المعارضون صفوفهم ويقفون بوجه هذا القمع .

ويرى الرجل أن من فاز من المعارضين في المجالس والهيئات المنتخبة، لا يجعل هذه الهيئات شرعية، بل يدعو المعارضين الفائزين إلى الدعوة لحل هذه الهيئات وإعادة الإنتخابات، التي يثق بأنها لن تكون ديموقراطية في ظل السلطة الراهنة .

في موسكو دعا المعارض الرئيسي للنظام الراهن ألكسي نافالني إلى اعتماد ما دعاه "التصويت الذكي"، الذي يقوم في التصويت لأي مرشح معارض لمرشحي حزب السلطة "روسيا الموحدة" ، بغض النظر عن الإنتماء الحزبي للمرشح المعارض . واعترف الجميع بنجاح هذه "الإستراتيجية" الإنتخابية ، التي أدت إلى نجاحات ملحوظة للمعارضين لحزب السلطة ، وإن كانوا في غالبيتهم من الشيوعيين والأحزاب الأخرى المنضوية في السلطة . لكن هذا النجاح الجزئي في موسكو ليس مدعاة للقول بأنه "انتصار على النظام" ، كما ينقل موقع "kasparov" عن غالبية الكتاب السياسيين ، الذين استفتاهم حول انتخابات الأحد المنصرم ، والذين يرفضون بدورهم إطلاق تسمية "انتخابات" عليها .

من جهته يقول موقع "rosbalt" القريب من الشيوعيين ، أن ما جرى الأحد المنصرم يشير إلى أن الإنتخابات في روسيا قد انتهت وإلى الأبد في ظل النظام القائم، لأنه يصبح مع مرور الوقت عاجزاً حتى عن تقليد الديموقراطية . ويقول الموقع أن الإنتخابات أثبتت أنه ليس في روسيا حزب حاكم ، بل ليس فيها أحزاب سياسية، بل توجد فيها مجموعات ليست كبيرة من المواطنين المستعدين للنضال في سبيل عودة السياسة إلى الفضاء العام. ويقول بأن حزب السلطة "روسيا الموحدة" لم يشارك شكلياً في الإنتخابات، بل عمد إلى دعم مرشحين "مستقلين" في الكثير من المناطق، بما فيها موسكو. وبينت الإنتخابات بشكل نهائي ، أن حزب السلطة في روسيا هو عبارة عن مجموعة من الناس مقربة من المسؤول الرئيسي في المنطقة المعنية .

ويقول الموقع أن الدلالة الأخيرة على أن إنتخابات الأحد المنصرم ليست إنتخابات ، هو أن الجميع خرج منهاً مرتاحاً لنتائجها . فالسلطة ، بما فيها قيادة حزب "روسيا الموحدة" ، تقول أنها خرجت منها منتصرة، والمعارضة من داخل النظام ( الشيوعيون وجيرينوفسكي وحزب "روسيا العادلة") تقول ايضاً أنها خرجت منتصرة ، وحققت نتائج افضل من التي حققتها السنة الماضية. ويرى الموقع أن كل هذا يشير إلى أن لا أحزاب ولا إنتخابات في روسيا في هذه المرحلة ، أو أنها لم تظهر بعد . 

الإستنتاجات، التي توصل إليها الموقع الروسي أعلاه ، تتفق مع ما توصلت إليه صحيفة ألمانية في تعليق لها على الإنتخابات الروسية الأحد المنصرم. فقد نقل موقع "news.ru" عن الصحيفة الألمانية تلك قولها، بأن الإنتخابات أظهرت أن حزب بوتين قد انتهى، وعليه قريباً أن يبحث عن أداة أخرى لضمان استمرار سلطته. فالمشكلة الأولى بالنسبة للكرملين ، التي تمخضت عنها الإنتخابات ، تشير إلى أن الناس لن يتحملوا الخداع بعد الآن صاغرين. فمن يريد أن يقلد الإنتخابات ، عليه أن يجد منتخبين يسمحون بخداع أنفسهم . فالأداة الرئيسية ، التي كان يستخدمها لإجراء الإنتخابات ، لم تعد فاعلة ، إذ أن الإنتماء إلى حزب "روسيا الموحدة" أصبح يسيئ إلى من يترشح باسمه. واصبح سلوك هذا الحزب شبيهاً بسلوك فريق كرة قدم  يقف في الملعب وحده دون وجود خصم له ، ومع ذلك يصيب شباكه بالهدف تلو الآخر . وهذا يعني أن بوتين عليه إيجاد هياكل أخرى لاستمرار سلطته ، وأنه لم يعد بوسعه امتلاك أمرين معاً: شرعية ديموقراطية شكلية وثقة الحاكم المتسلط . 

وتحت عنوان"الغرب عن الإنتخابات في روسيا : أثبت الكرملين أنه غير قادر عن الإنتصار بنزاهة"، نشرت صحيفة القوميين الروس "SP" مقالة قدمت لها بالقول أنه ، إذا كانت الإنتخابات قد جرت في كل أنحاء روسيا (ما عدا أقصى الشرق) كما ينبغي أن تجري عادة ، فإن ما جرى في العاصمة موسكو قد حطم جميع الترسيمات والتقنيات ، التي كانت ، حتى وقت قريب، تبدو متينة وراسخة . وتستعرض الصحيفة لاحقاً آراء كبريات الصحف والوكالات الغربية، التي تجمع أن السلطات لم تأخذ بالإعتبار الجدل المحتدم في المجتمع الروسي حول الإنكماش الإقتصادي، وتراجع المداخيل الفعلية المستمر منذ سنوات ، وإقرار رفع سن التقاعد العام المنصرم ، مما أدى إلى تراجع شعبية بوتين إلى أدنى مستوياتها ، وإلى ابتعاد مرشحي السلطة عن الترشح باسم الحزب الحاكم . 

إن تمثل بوتين ب"الديموقرطية السوفياتية"، ولجوئه إلى القضاء على البدايات الديموقراطية (على كل عواهنها)، التي كانت قد أخذت تتشكل في تسعينات القرن الماضي في روسيا، لن تفضي به إلا إلى ما أفضت إليه "الديموقراطية السوفياتية" بالإتحاد السوفياتي. والشقاق العميق ، الذي نشأ بين المجتمع الروسي والكرملين ، على قول "لموند" الفرنسية منذ يومين ، هو شقاق راسخ وغير قابل للردم .


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها