آخر تحديث:10:24(بيروت)
الثلاثاء 06/08/2019
share

السودان: ترويض العسكر؟

شادي لويس | الثلاثاء 06/08/2019
شارك المقال :
السودان: ترويض العسكر؟ احتفالات في الخرطوم بتوقيع وثيقة الإعلان الدستوري بين العسكر والقوى المدنية (غيتي)

وقّعت "قوى الحرية والتغيير"، بالأحرف الأولى، مع المجلس العسكري الانتقالي في السودان، يوم الأحد الماضي، على وثيقة الإعلان الدستوري، التي ستدشن مرحلة انتقالية تقود إلى تسليم السلطة لحكومة منتخبة بعد ثلاثة أعوام من الآن. وكانت المفاوضات على وشك الانهيار بعد واقعة إطلاق النار على طلاب محتجين في مدينة الأبيض، ومصرع 5 منهم. وهي الواقعة التي نسبت إلى قوات التدخل السريع. إلا أن استمرار الضغوط من الأطراف الدولية والإقليمية، بالإضافة إلى إلحاح الشارع السوداني، لم يعطِ المتفاوضين خياراً سوى الاتفاق.

ويخرج الجميع رابحاً من تلك الجولة، فائتلاف المعارضة نجح في الحصول على حق تشكيل الحكومة، ونسبة الثلثين من المجلس التشريعي، وبغالبية مدنية في المجلس السيادي، ستة من المدنيين مقابل خمسة من العسكريين. وينص الاتفاق أيضاً على إخضاع قوات التدخل السريع لسطلة الجيش النظامي. أما المجلس العسكري، فاحتفظ برئاسة المجلس السيادي في الفترة الأولى، وبالاشتراك في اختيار واحد من المدنيين الستة، وكذا حقه في تعيين وزيري الدفاع والداخلية في الحكومة الجديدة، والأهم هو إعفاء القيادات العسكرية، ضمنياً، من أي مساءلة مستقبلية. ومن وجه نظر القوى الدولية، وخصوصاً الاتحاد الأوروبي، فإن الاتفاق وتنفيذه يضمنان استقرار السودان، وعدم سقوطه في أتون صراعات أهلية مسلحة له معها تاريخ طويل ومؤلم. ويضمن التحالف السعودي- الإماراتي، بالإضافة إلى مصر، مصالحه، بوجود العسكر في معادلة السلطة، وسيطرتهم شبه المطلقة على ملف الأمن والدفاع. وتبدو التفاهمات المتعلقة بدعم السودان للحرب في اليمن، وفي ليبيا (بشكل أقل رسمية) مستمرة كما هي، بلا أي تغيير في المستقبل القريب.

لكن الجميع يعرف أن الاتفاق الذي لم يكن ممكناً الخروج بأفضل منه، ليس سوى وصفة جاهزة للصِّدام. فالشعار الذي رفعه المتظاهرون "الدم قصاد الدم...ما بنقبل الدية"، لا يبدو أن أحداً يأخذه على محمل الجد اليوم. فيكفي أن يكون الموكل عن المجلس العسكري لتوقيع الاتفاق بالأحرف الأولى، هو قائد قوات التدخل السريع، حميدتو، والذي ترجح القرائن مسؤوليته المباشرة عن مذبحة القيادة العامة. بلا شك، تواجه "قوى الحرية والتغيير" مهمة في غاية الصعوبة. فثلاث سنوات، فترة انتقالية ليست بالقصيرة، والتوازنات الإقليمية يمكن لها أن تتبدل بسرعة، وسيظل المجلس العسكري، في تلك الفترة وغالباً بعدها، محتفظاً بقوة السلاح على الأرض.

إلا أن ذلك ليس وضعاً استثنائياً أو فريداً من نوعه. فعمليات التحول الديموقراطي في أماكن متفرقة من العالم شهدت تجارب مماثلة بدرجات متفاوتة. ففي نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات، شهدت إسبانيا والبرتغال واليونان انتقالاً سريعاً للديموقراطية، وكان الجيش طرفاً فيه بشكل أو بآخر. وشهد عقد الثمانينات في أميركا اللاتينية أفولاً لنموذج الحكم العسكري، كما أن الأرجنتين وتشيلي مثالان واضحان للتغاضي عن جرائم الماضي وتحصين مرتكبيها في مقابل انتقال سلس للحكم المدني. وبشكل أكثر اضطراباً، شهدت تركيا وباكستان وبنغلادش، سلسلة من الانقلابات تخللتها فترات من الحكم الديموقراطي، وتعرض نفوذ الجيش في دوائر الحكم لموجات من المد والجزر، لكن التراكم كان لصالح الحكم المدني في المحصلة الأخيرة. ولا تبدو الأمثلة الأحدث، في ميانمار وتايلاند وإثيوبيا، بعيدة تماماً عن مقابلها الأسبق تاريخياً.

لا ضمانة بالطبع لأن تسلك التجربة السودانية طريقاً مماثلة، أو تصل إلى نتائج مشابهة في المستقبل القريب، ولا حتى في المدى البعيد. فالتاريخ لا يكرر نفسه، ولا يسير في خطوط مستقيمة، بالضرورة. إلا أن الدافع للأمل لدى السودانيين هو تاريخ طويل خاضوه وخاضه غيرهم، وتجارب يمكن التعلم منها، ودلائل على إمكانية ترويض العسكر وإخضاعهم لسلطة مدنية في النهاية. وما يحفز على الأمل أكثر، هو أن نجاحاً مستقبلياً للتجربة السودانية، سيمنح شعوب المنطقة والفاعلين السياسيين فيها، طريقاً مجرّبة للخروج من مأزق الحكم العسكري، ومعضلة وضعية الجيوش وجرائم الماضي، وبدائل يمكن أن تكون مطَمئنة لكل الأطراف وبتنازلات قاسية منها جميعاً أيضاً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري