آخر تحديث:12:56(بيروت)
الأحد 04/08/2019
share

ظريف أمام عقوبات الداخل الايراني

حسن فحص | الأحد 04/08/2019
شارك المقال :
ظريف أمام عقوبات الداخل الايراني

قد يكون القرار الاميركي بفرض عقوبات على رأس الدبلوماسية الايرانية محمد جواد ظريف واتهامه بدعم الارهاب، الحدث الابرز على صعيد السياسة الدولية، وايضا على المستوى الداخلي الايراني، اذ تحول الى مركز اهتمام كل العواصم الدولية المتحالفة مع واشنطن وحتى تلك التي تربط معها بصداقة لدودة، التي سارعت الى رفض هذا القرار واكدت على استمرار تعاملها مع المحاور الايراني، في حين شهدت المواقف الداخلية حالة من التسابق بين القوى السياسية بتياريها المحافظ والاصلاحي الى ادانة هذا القرار الذي يمس بالسيادة الوطنية، ويشكل تعبيرا واضحا على عجز الادارة الاميركية عن مواجهة قوة المنطق الايراني الذي يمثله ظريف.

ردود فعل دولية وداخلية لم يحظ بمثلها قرار فرض عقوبات على المرشد الاعلى للنظام الايراني آية الله السيد علي خامنئي عندما قرر الرئيس الاميركي دونالد ترامب ان يدرجه على لائحة العقوبات والشخصيات الايرانية التي تدعم الارهاب، وقد لا تكون العقوبات على المرشد جديدة على الادارة الاميركية التي سبق لها ان فرضت عقوبات مماثلة على زعماء دوليين في اطار سياساتها تجاه الدول التي تختلف معها حول سلوكها على الساحة الدولية، او ان تكون هذه العقوبات ذات تأثير مباشر على سير عملية التفاوض، لانها لن تؤثر او تنال من الدور المقرر للمرشد في اتخاذ القرار النهائي في اي مسار تصله المفاوضات سلبا او ايجابا. الا ان العقوبات على ظريف تعتبر سابقة في النزاعات الدولية، خصوصا وسط ازمة سياسية وتوتر حاد بين واشنطن وطهران يتولى فيها الوزير الايراني مهمة التفاوض والحوار، لانها تطال القناة الوحيدة لاي عملية تفاوض وتفرض حصارا دوليا ضدها، بما يوحي بان ترامب وفريقه الامني المتشكل من مستشار الامن القومي جان بولتن ووزير الخارجية مايك بومبيو يريدون اخراج واستبعاد الورقة الاقوى لدى النظام الايراني والتي استطاعت توظيف العمل العسكري الذي تقوم به مؤسسة حرس الثورة العسكرية والتي صنفتها واشنطن منظمة ارهابية لخدمة الاهداف السياسية والتفاوضية في وجه المطالب الاميركية، خصوصا ما يتعلق بالنفوذ الاقليمي لطهران والاجراءات الاستفزازية التي قامت بها في مياه مضيق هرمز واحتجاز بعض ناقلات النفط واخرها الناقلة البريطانية، واسقاط طائرة التجسس الاميركية المسيرة والاكثر تطورا. وبالتالي فان هذا القرار الاميركي قد يهدف الى اجبار النظام الايراني على اللجوء الى خيار استبدال ظريف بشخصية جديدة على رأس الدبلوماسية التفاوضية، ما يعني الحد من قدرة هذا الوزير على نزع فتائل التوتر بين ايران والمجتمع الدولي او الحد من آثارها السلبية، ما قد يشكل "نصف انتصار" للادارة الاميركية بما يعنيه من تحييد عن مسار الازمة وتركيزها عند القوى المتشددة والعسكرية الرافضة للتفاهم والحوار انطلاقا من رفضها للاتفاق النووي بداية، وما يعنيه ذلك من امكانية اجبارها على تقديم تنازلات استراتيجية، خصوصا وان هذه القوى لا تتردد في التأكيد على استعدادها للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع القوات الاميركية سواء تلك المنتشرة في مياه الخليج او الموجودة في القواعد العسكرية في محيط ايران، بناء على شعورها بفائض القوى الذي عبر عنه القائد الجديد لحرس الثورة الجنرال حسين سلامي بقوله " اننا اصبحنا اقوياء بشكل كبير". 

من هنا، يمكن فهم اصرار بعض القوى داخل النظام الايراني على الاستمرار باستهداف ظريف على الرغم من حالة التضامن  التي برزت بعد قرار العقوبات الاميركي، واللافت في هذا السياق ان هذا الهجوم والاستهداف يأتي من مراكز محسوبة وتابعة مباشرة لاشراف المرشد الاعلى ومكتبه، وتقودها شخصيات تتبع بولائها للمرشد، ويأتي في مقدمتها مؤسسة الاذاعة والتلفزيون الرسمية وجريدة كيهان. فعلى الرغم من الرسالة التي وجهها ظريف الى المرشد الاعلى وحملت شكوى من حملة التشويه التي تقودها مؤسسة الاذاعة والتلفزيون ضده في المسلسل البوليسي الذي انتجته حول صفقة التبادل التي جرت بين ايران والادارة الاميركية في عهد الرئيس اوباما والتي انتهت باطلاق سراح المتهم الاميركي من اصل ايران جيسون رضاييان مقابل اطلاق واشنطن سراح سبعة ايرانيين متهمين بخرق قرار العقوبات ضد ايران ودفع 1.7 مليار دولار كجزء من الاموال الايرانية المجمدة في اميركا، واتهامه بانه تأمر على الامن القومي الايراني بتقديم تنازلات لواشنطن مقابل الحصول على الاموال، الا ان هذه المؤسسة استمرت بعملية التهجم على ظريف من خلال بثها كلام  أحد رجال الدين المقربين من المرشد والتي قارن فيها بين اداء ظريف في المفاوضات النووية باداء "ابو موسى الاشعري" في "التحكيم" الذي جرى تاريخيا في صفين بين الامام علي بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان والذي خلع فيه الاشعري صاحبه "الامام علي" من الخلافة لصالح معاوية الذي مثله في التحكيم عمرو بن العاص، وما فيها من استحضار للادبيات الشيعية في هذا السياق والتي تصف الاشعري بالسذاجة وقلة الحيلة والبساطة العقلية وضعف المنطق التي مكنت غريمه من الانتصار عليه. 

في المقابل، فان صحيفة كيهان، لم تستطع ان تنضم بشكل واضح وصريح الى المواقف التي اعلنت تضامنها مع ظريف وادانت وشجبت العقوبات الاميركية ضده من التيارين المحافظ والاصلاحي، فرفضت العقوبات انطلاقا من رفضها للمبدأ، الا انها استمرت في الهجوم على ظريف وتحميله مسؤولية ما آلت اليه الامور من ازمات تعتبر نتيجة لتنازلات سبق ان قدمها في المفاوضات التي قادها مع واشنطن منذ ست سنوات، وان العقوبات الجديدة تشطب كل الجهود التي حاولت الحكومة وظريف ترسيخها حول اهمية هذا الاتفاق، خصوصا ما يتعلق بحجم التنازلات التي قدمتها ايران مقابل وعود مؤجلة، وان العقوبات على ظريف سببها "انتهاء صلاحية" دوره لدى البيت الابيض بعد فشل كل محاولات ترامب لاجبار ايران بالعودة الى طاولة المفاوضات في ظل الموقف المتشدد للمرشد الاعلى الرافض لها، وفشل ظريف في احداث خرق في جدار هذا الموقف، الذي في حال نجح فيه، قد يؤدي الى فرض اتفاقيات جديدة ستكون أسوأ وأشد ضرراً بالنظام الايراني. 

قد يكون البيت الابيض نجح في حشر النظام الايراني عندما نزع من يده الورقة التفاوضية باخراج ظريف من دائرة اي حوار مباشر بينهما مستقبلا، ما قد يعني الدفع طهران لتفعيل خط الحوار مع الترويكا والاتحاد الاوروبيين، ومن غير المستبعد ان يلجأ المفاوض الاوروبي الى انتزاع تنازلات من طهران تخدم الرؤية الاميركية مستفيدا من دوره كقناة رئيسية للتفاوض غير المباشر بين الطرفين. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها