آخر تحديث:06:32(بيروت)
الأحد 25/08/2019
share

إيران:أزمة عائلة أم سلطة

حسن فحص | الأحد 25/08/2019
شارك المقال :

قد لا تكون المواقف التي صدرت عن الرئيس الاسبق للسلطة القضائية وعضو مجلس صيانة الدستور محمد يزدي بحق زميله في المجلس الدستور ورئاسة السلطة القضائية والرئيس الحالي لمجمع تشخيص مصلحة النظام صادق آملي لاريجاني، هي الاولى التي تستهدف الاخير من قبل مؤسسات ومواقع تتبع مباشرة لاشراف "بيت"مرشد النظام آية الله علي خامنئي. فالاشارة الاولى جاءت من مؤسسة الاذاعة والتلفزيون التابعة لـ"البيت" اذ تم استهداف رئيس السلطة القضائية في احد البرامج السياسية الحوارية التي تخضع مباشرة لتوجهات رئاسة المؤسسة ومكتب المرشد، وتم الحديث فيها عن الفساد الذي تفشى في الجهاز القضائي ايام تولي لاريجاني لرئاسته، 

التصويب على صادق لاريجاني ومن مؤسسة الاذاعة والتلفزيون، احدث ارباكا داخل القوى المحافظة التي لم تستوعب مباشرة ابعاد هذا الامر، فبدأت بطرح مسألة اعادة توصيف دور هذه المؤسسة وضرورة ادخال تعديلات على القوانين التي تنظم عملها، لتعود وتتراجع هذه التوجهات لدائرة الصمت، خصوصا بعد ادراكها لوجود نية واضحة لدى اعلى مواقع القرار، خصوصا لدى المرشد الاعلى بسحب الغطاء عن اي شخصية تثبت ادانتها بعمليات فساد مهما كان انتماؤها السياسي، انسجاما مع الرؤية التي اعاد المرشد التأكيد عليها بفتح معركة مكافحة الفساد الذي وصل حدا بات يشكل ازمة حقيقية في البلاد وقد يتحول الى عامل مساعد للعقوبات الاقتصادية في الوصول الى الاهداف التي تضعف النظام وتطيح به من الداخل. 

الخطوة الاكثر تعبيرا عن وجود نية في عدم التساهل مع ظاهرة الفساد المتفشي في الجسم القضائي والتي عبر عنها الرئيس الحالي لهذه السلطة ابراهيم رئيسي في كثير من المواقف منذ توليه لمنصبه، جاءت كما تشير بعض التسريبات بعد اللقاء الذي جمع رئيسي مع المرشد الاعلى، وتخلله فتح ملف تورط "اكبر طبري" مدير مكتب لاريجاني الرئيس السابق للقضاء ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام في قضايا فساد كبيرة، وتردد رئيسي في التصدي لهذا الملف مراعاة لموقع لاريجاني في هرمية النظام، فكان رد المرشد انه " ليس لديه خطوط حمراء في المعركة ضد الفساد"، وهو ما شكل غطاءً لرئيسي في السير بهذا الملف الى نهايته. 

تكشف معلومات اخرى تصب في الاطار نفسه، ان المرشد ومن اجل ابداء اعلى مستوى من الحزم، وافق على رغبة "حسين طائب" المسؤول عن جهاز الامن في قوات حرس الثورة بتولي مهمة اعتقال كل من تثبت ادانته في الفساد بالتنسيق بينه وبين "ابراهيم رئيسي"، منعا لاي تدخلات سياسية لدى الاجهزة الامنية الاخرى قد تؤدي الى تخفيف التهم واقفال الملفات. من هنا جاء اعتقال "اكبر طبري" من قبل هذا الجهاز، ما يعني تطويق قدرة لاريجاني على التدخل في مسار التحقيق ومآلاته. وقد تعززت هذه التوجهات بعد قرار القاء القبض على اثنين من نواب البرلمان (فریدون احمدي و محمد عزیزي) يعتبران من التكتل المحسوب على حرس الثورة بتهمة التدخل في اقرار قوانين لصالح عمليات فساد في قطاع صناعة السيارات. 

اعتقال "طبري" اعاد طرح الكثير من الاسئلة حول عمليات مكافحة الفساد، اضافة الى الكثير من التساؤلات حول ابعاد هذه المعركة خصوصا وانها تزامنت مع هجوم غير مسبوق وصل حد التجريح والاهانة الشخصية من قبل الرئيس الاسبق للقضاء محمد يزدي ضد لاريجاني، والذي لا يخلو ملفه ايضا (يزدي) من تهم في الفساد خلال رئاسته للقضاء ومعركته مع الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني والحديث عن مساحات كبيرة من اراضي شمال ايران فضلا عن مصنع لصناعة اطارات السيارات (دنا) استولى عليها لصالحه الشخصي. وقد وصل التشكيك في فساد مدير مكتب لاريجاني الى طرح اسئلة حول الكميات الكبيرة من المسكوكات الذهبية التي تمت مصادرتها من وحيد مظلومين "سلطان المسكوكات" قبل اعدامه وعدم اعادتها الى خزينة الدولة (التقديرات انها تبلغ نحو طنين من الذهب). اضافة الى معلومات عن مصادرة نحو 2 مليار دولار من احد المنازل شرق طهران تابعة لـ"طبري" وبعلم من لاريجاني. وملف هذا الرجل قد لا يقف عند حدود عمله مع لاريجاني، فقد تولى هذا المنصب اواخر رئاسة محمد يزدي للقضاء وخلال رئاستي الراحل السيد محمود هاشمي الشاهرودي وصادق آملي لاريجاني، اي ما يزيد عن عشرين سنة استغل فيها موقعه في التدخل بالاحكام القضائية مقابل مبالغ مالية. وقد لا تقف اشارات الاستفهام عند هذه الشخصيات، بل قد تتعداها الى الرئيس الحالي للقضاء ابراهيم رئيسي الذي تولى خلال هذه المدة اهم المناصب القضائية منها المدعي العام لايران والتفتيش المركزي، ما يطرح تساؤلات عن عدم اتخاذه لاي اجراء بحق هذا المتهم اذا كان يعلم بها، وتزداد تعقيدا في حال كان غافلا عنها. 

في الشق السياسي، يبدو ان التيار المحافظ قرر الخوض في معركة ترتيب بيته الداخلي من خلال التخلص من بعض الاقطاب الذين باتوا يشكلون عبئا عليه داخل الشريحة الاجتماعية التي يمثلها، وما استهداف اثنين من عائلة لاريجاني ( محمد صادق رئيس القضاء ومحمد جواد رئيس لجنة حقوق الانسان) سوى استكمالٍ لمعركة سبق ان بدأها الرئيس السابق محمود احمدي نجاد ضد علي لاريجاني رئيس البرلمان واستكملها ضد صادق على خلفية اعتقال اثنين من مساعديه الاقرب حميد بقائي واسفنديار رحيم مشائي ومعهم نائبه الاول محمد رضا رحيمي على خلفية ملفات فساد مالي. 

لاريجاني تصدى لجهوم يزدي الذي لم يقف عند حدود الانتقاد بحيث تطرق الى المسائل الشخصية والعملية والاتهام المباشر بالفساد وامتلاك بيوت من الاموال الشرعية، لكن رده لم يقف عند يزدي، بل تعداه ليطال كل الشخصيات التي تقف وراءه والتي تشمل كل النظام، بما يطرح الكثير من الاسئلة حول عمق الازمة داخل تيار السلطة والابعاد التي تحرك هذه المعركة التي لن تكتفي بلاريجاني بل ستتعداه لتصل بشكل اكثر الى كل المواقع التي قد تشكل خطرا محتملا على مستقبل سيطرة هذا التيار على مفاصل القرار والسلطة بما فيها حسن روحاني وادارته الاقتصادية والسياسية، وهي معركة سبق ان بدأت تتبلور في محاولة محاصرة وتحجيم دور ونفوذ وزير الخارجية محمد جواد ظريف قبل ان تضع العقوبات الاميركية ضده حدا لها من دون ان تنهيها.

والخوف من تداعيات المعركة التي بدأها القضاء وصعدها يزدي ضد لاريجاني من خلال تحويلها الى معركة موجهة ضده مباشرة ولا تقتصر على الفاسدين في الجهاز القضائي، دفعت مرشد النظام الى التدخل والقول " خففوا الهجمات ضد بعضكما البعض الاخر، لا تخلطوا بين العدو الاساسي والاصدقاء الذين تختلفون معهم بالاراء". وهو ما يفسر ايضا ان هجوم يزدي على لاريجاني قد لا يقف عند حدود استهداف الشخص، خصوصا وان يزدي وسع دائرة التصويب لتطال احد رجال الدين "علوي بروجوردي" المحسوب على التوجهات الاصلاحية داخل الحوزة الدينية في مدينة قم، على خلفية تصديه لمنصب المرجعية، يضاف اليه هجومه الحاد ضد رئيس الجمهورية حسن روحاني وقبله ضد احد  مراجع الدين الاصلاحيين آية الله شبيري زنجاني على خلفية لقائه مع الرئيس السابق محمد خاتمي. 

وهذا ما يدفع على الاعتقاد بان هذه المعركة هي مرحلة من حرب قد تتوسع وتتفاقم داخل تيار السلطة المحافظ، وقد تطيح بالعديد من الشخصيات التي تشكل مصدر تنافس بين اقطاب هذا التيار، وهي مرشحة لان تستمر وتطال اخرين قد يكون رئيس البرلمان علي لاريجاني احد ضحاياها خصوصا في ظل تصاعد المواقف السلبية منه داخل التيار المحافظ وجهود استبعاده عن الانتخابات البرلمانية القريبة ومن رئاسة البرلمان، في مؤشر على مدى الارباك الذي يعيشه هذا التيار من التحديات التي يواجهها وسيواجهها في المرحلة المقبلة في ظل الازمة الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الاميركية وتداعياتها الاجتماعية التي تنذر بصعوبة استمرار قبضته المحكمة على مسارات الامور الداخلية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. 






 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها