آخر تحديث:07:08(بيروت)
السبت 24/08/2019
share

أصحاب الجمل

أحمد عمر | السبت 24/08/2019
شارك المقال :
أصحاب الجمل
تظلّم طالب عرف "بصاحب الجمَل"، من ظلم مدرس اللغة العربية له في مادة التعبير والإنشاء، واستجار بالمدرسين والمدير، وتشفّع بهم يستوضح سبب رسوبه فيها، فقال المدرس لأصحاب الشفاعات إن الطالب المذكور يخرج عن الموضوع المطلوب، ويمضي حقبا، ووصفه بأنه من الخوارج في مادة الإنشاء، ويستحق إقامة الحدّ عليه، والحدّ هو علامة الصفر. وقال جاداً: طالبكم مصاب "بمتلازمة البعير".

طلبوا أوراقه للوقوف على الخبر، فأخرج المدرس ورقة من مصنف كبير، وقال: هذا موضوعه المكتوب عن فصل الربيع.

كان الطالب قد كتب التالي: "فصل الربيع من أجمل فصول السنة، تزهر فيه الأشجار، وتغني الأطيار، وتسيل الأنهار، وتثمر الخضار، مما يتيح للجمل أن يشبع من المراعي، والجمل حيوان يصبر على الجوع والعطش أياماً، ويبحر في الرمل بيسر. يحب البدو من الأنعام الجمل، لأنه ينقل متاعهم ويساعدهم على الترحال من منطقة لأخرى. ولد الناقة – السيدة عقيلة الجمل - حين يسل من أمه» سليل «ثم» سقب «و» حوار «وهو» فصيل «أو» فطيم «إذا» فصل عن أمه، ... ثم يمضي الطالب في سرد السيرة الذاتية للجمل، مفردا ثلاث صفحات لأسنانه وأحواله في الروضة والابتدائية والإعدادية..

ابتسم أصحاب الشفاعة، وقالوا: لعل قرب موضوع الربيع من الجمل وارتباطه بالرعي هو الذي جعل الطالب يخرج عن النص.

فقال المدرس: خذوا على سبيل المثال إنشاءه التعبيري عن الصناعات في اليابان.

كان صاحب الجمل قد كتب الآتي:
"تشتهر اليابان بالعديد من الصناعات ومنها السيارات، لكن البدو يفضّلون الجمل في ترحالهم، لأنه حيوان يصبر على الجوع والعطش أياماً، ويمخر في الرمل بكل يسر. يحب البدو من الأنعام الجملَ، فهو سفينة الصحراء، ينقل متاعهم ويساعدهم في الترحال، وقد استطاع العلماء اكتشاف قدرة دوائية شفائية في بول الإبل، وكان الصينيون يتداوون ببول الرضع، والفرنجة ببول الخنزير، وتداوى المسلمون ببول البعير، وقد أثبت علماء فرنسيون وألمان في فيلمين وثائقيين معروفين قدرة بول البعير على شفاء السرطان، وهو مصداق حديث العرنين النبوي. احتفظ لنا التاريخ بأسماء عدد من الإبل الشهيرة منها: ناقة الله لثمود، ناقة البسوس، ناقة رسول الله عليه الصلاة والسلام القصواء الحمراء، وناقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والتي نقلته إلى بيت المقدس، خلوج ابن رومي: ولها قصة مشهورة يتناقلها أبناء الجزيرة العربية، كما أن كبرى المعارك العربية سميت باسم الجمل أو باسم السيدة عقيلته، فحرب البسوس، والبسوس اسم ناقة، وحرب الجمل الشهيرة بين أنصار علي وأنصار عائشة، وذهب ضحية الحرب عشرون ألفاً حسب العقد الفريد، ووقعة الجمل في ميدان التحرير..
قال المدرس: صاحبكم هائم بحب الجمال والنوق والبعير.

وأخر ج ورقة ثالثة، عن تكليف بإنشاء موضوع عن الحاسب الآلي. فكان صاحب الجمل قد كتب هذه السطور: الحاسب الآلي جهاز حديث، سهل على الإنسان الكثير من العمليات الذهنية، ولا غنى عنه في المدن والدول الحديثة، لكن البدو يفضّلون عليه الجمل، لأن الجمل حيوان صبور على الجوع والعطش، وقال الله تعالى في كتابه "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت" وابتلى الله تعالى قوم صالح بناقة خلقها من الصخر، وكان لهم شرب ولها شرب يوم معلوم، ويسمى سفينة الصحراء، وسبب التسمية أنه يحرك أطرافه مثل مجاذيف السفينة، قد تكون هناك أسباب أخرى في تشبيهه بالسفينة، لأن البوادي بحار رملية، لا يعبرها إلا الجمال. قالت العرب في الإبل: إذا حملت ثقلت، وإذا مشت أبعدت، وإذا نحرت أشبعت، وإذا حلبت روت»..

اقتنع أصحاب الشفاعة بمرض الطالب واستحقاقه الرسوب، لكن الطالب لم يقتنع ورفع شكوى إلى وزير التعليم جاء فيها:

سعادة وزير التربية والتعليم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أُقدم لمعاليكم تظلّمي هذا، وفيه اشتكي إلى الله تعالى ومن ثم إليكم ما حاق بي من ظلم وجور، فمدرس مادة التعبير مصرٌّ على ترسيبي في مادة التعبير، وقد صبرت عليه صبر الجمل، والجمل حيوان يصبر على الجوع والعطش والظلم والقصف أياماً ونحن أمة تهدر المواهب والطاقات ويصدق فيها قول الشاعر: كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ، والماء فوق ظهورها محمول. وللجمال الصينية سنامان، لكنها لا تتحمل الحرّ، ولحمها من أطيب اللحوم ولبنها سائغ بطيء الفساد، ليس كلبن البقر والغنم، والجمل يهان في الأفلام الأمريكية المصوّرة في الصحراء العربية وأرجو من معاليكم أن تجملوا..

انتهت الحكاية...

الحكاية المذكورة حكاية شعبية وغير ديمقراطية، وشائعة في وسائل التواصل الاجتماعي، ومجهولة المؤلف، وللمؤلف كل التحية، فنصّه لطيف، وقد أعدتُ كتابتها، وصياغتها، فكنت كمن بنى عمارة في حقل جميل لم يكن فيه سوى نخلة وجمل، وتلك جناية بيئية. ويطلق الخبراء على مرض بطل النص في علم النفس بالاستحواذ النفسي، والتثبيت، وهي حكاية الشعب العربي من المحيط إلى الخليج، المصاب بمتلازمة حبّ البعير. ونسمعها يومياً في التلفزيون والصحف اليومية، من المدرس والطبيب والمحامي، والوزير ورئيس الوزراء، والمفتي، فالطبيب يخرج ويقول نجحنا في إجراء عملية القلب المفضوح، وما ذلك إلا بفضل سيادة الرئيس الطبيب الأول، الذي وفّر لنا المشافي واستورد الأجهزة الحديثة، وأدام الله الرئيس وحفظه ورعاه فوق رؤوسنا، ولولاه لدُمّرتْ البلاد وهلك العباد، والمدرس يخرج ويقول: لقد كانت نسبة النجاح هذه السنة كبيرة في الثانوية العامة والفضل يعود للسيد الرئيس، الذي كرّم المعلم، الذي كان مظلوماً ومضطهداً أيام الاقطاع، ويعامَل كالعبد الأجرب في العهود السابقة، فجعل له عيداً، أدام الله السيد الرئيس ونصره على أعدائه في الداخل والخارج، ولولاه ... ووزير الاتصالات يخرج ويقول: لولا رعاية السيد الرئيس لكنا نتواصل بالحمام الزاجل، فهو الذي رعى التحديث الإلكتروني، وأدخل الحواسب الآلية إلى البلاد، حفظه الله فوق رؤوسنا، وهو صاحب أول إيميل جوي في البلاد، ولولاه ...

والفروق بين صاحب الجمل وأصحاب البعير هي التالية:
- إن الطالب المذكور كان مصاباً بحبّ الجمال في مادة التعبير، شأنه شأن بطل رواية التبر وبطلها جمل، جميل التعبير، نصوصه غنية بالمعاني، أما المذكورون وهم كل الذين يظهرون على شاشات التلفاز، وفي المقابلات الصحافية ويجترون الأشواك، في جميع المواد: الصحة والسياسة والقومية والرياضيات والرياضة، فكلامهم رغاء، ونفاق، وغش للأمة وتضييع لحقوقها كلها، السياسية والاجتماعية والإنسانية. وقبل هذا كله شرك بالله الواحد الأحد، فخسرنا في معركة الأباعر الدنيا والآخرة.

- إن الطالب رسب في مادة واحدة، وبالمقارنة مع الذين يظهرون في التلفزيون والصحف نجد أن نخبة الأمة وقادتها يستحقون الرسوب في جميع المواد: الوطنية والديانة والقومية والرسم والتعبير والأشغال...

- إن الجمل آية من آيات الله، وكذلك السيد الرئيس الذي يبحر في دمائنا بكل يسر، ولا يرى سنامه، وتسلق النخلة، وقد صبرنا عليه صبر الجمل، والجمل من أحقد الحيوانات، ولا ينسى ثأره ولو بعد أربعين سنة وينتقم، ويقول: استعجلت

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها