آخر تحديث:12:53(بيروت)
الجمعة 23/08/2019
share

شيعة الدولة وشيعة ايران

مهند الحاج علي | الجمعة 23/08/2019
شارك المقال :
شيعة الدولة وشيعة ايران

قبل شهور، وفي خضم نقاش داخلي إسرائيلي حول ضرورة استهداف مواقع للحشد الشعبي العراقي، تدخل مسؤولون أميركيون، وأبلغوا الإسرائيليين بكل حزم، "اتركوا العراق لنا". طبعاً، وقعت الضربات، واستهدفت مخازن مهمة للحشد الشعبي الذي بات مكشوفاً أمام ضربات جوية مجهولة المصدر، تتساقط على حلفاء الإيرانيين دون أي رد.

والحقيقة أن الطلب الأميركي من الإسرائيليين صار اليوم مفهوماً، ذلك أن واشنطن تُدرك جيداً الإرهاق العراقي من الحرب، وهو الذي ظهر في التضارب بين رئيس الحشد فالح الفياض الخاضع لقرار الحكومة، وبين نائبه أبو مهدي المهندس الأقرب الى إيران ومحورها. ليس هناك مؤشر أكبر للتضارب بين المصالح العراقية والرغبة الإيرانية، من أن ينفي الفياض في بيان ما جاء على لسان نائبه من اتهام صريح لواشنطن وتل أبيب، وأن يعتبر الفاعل جهة خارجية مجهولة، بما يُعفي العراقيين من الرد. وتنصّل الفياض من كلام المهندس، مفهوم، إذ تزامن مع قمة للرؤساء الثلاثة في العراق (رئيس الوزراء عادل عبد المهدي ورئيس الجمهورية برهم صالح، ورئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي)، من أجل تحييد هذا البلد عن النزاعات الاقليمية.

لم يعد العراقيون قادرين على تحمّل جولة جديدة من الحروب، بعد مغامرات صدام حسين، والغزو الأميركي، والحرب الأهلية التالية له، وانتهاء بحرب التحالف والحشد الشعبي على تنظيم "داعش". لدى العراقيين، مثلهم في ذلك مثل اللبنانيين، إرهاقاً من الحرب، وهموماً وأجندات متنوعة. 

لكن يبدو أيضاً أن الحسابات الأميركية الصحيحة، يُرافقها ملل اسرائيلي من الانتظار، سيما أن الإسرائيليين يرون تحركاً ايرانياً على طول الجبهات، من القطاع الى العراق، مروراً بلبنان وسوريا. الإيرانيون يقولون إنها قطعة واحدة في محور متصل، فلمَاذا على الإسرائيلي التلكؤ في استهدافها؟

واللافت أيضاً أن التنسيق الإسرائيلي في الضربات، كما أفادت الصحافة الإسرائيلية بالأمس، لا يقتصر على الجانب الأميركي بل يشمل أيضاً روسيا، وذلك في محاكاة للتجربة السورية. في سوريا، قاتل الإيراني وحلفاؤه إلى جانب الروسي الذي كان يُنسّق عمليات القصف على المواقع الإيرانية ثم يدينها، كمن يقتل القتيل ويمشي في جنازته. واليوم حوّل الروسي سوريا، من مجرد ساحة لضرب الإيرانيين بالتنسيق مع تل أبيب، إلى ممر للطائرات الاسرائيلية لضرب حلفاء طهران في العراق. هذا هو مستوى التواطؤ الخارجي ضد الإيرانيين في المنطقة. ولو جمعنا بين التعاون الروسي في هذا المجال، من جهة، وبين التعاون الدولي مع الولايات المتحدة في فرض العقوبات على الإيرانيين، نقف أمام مشهد متكامل من الحصار. إيران فقدت حلفاءها الكبار، وتُحاول جر أدواتها إلى المواجهة. 

لكن ليست كل الأدوات سواسية. في العراق، يبرز فارق أساسي مع لبنان في التعاطي مع الملف الشيعي. الشيعة في لبنان أقلية. هم أقلية كبيرة، نعم، لكنهم ثلث السكان على أكثر تقدير. في العراق، الشيعة غالبية حقيقية. والعراق أيضاً موطن تقليدي وتاريخي للشيعة، ويحوي أهم مزاراتهم الدينية. وفي النجف حوزة علمية هي الأقدم والأعرق شيعياً. وتنطوي هذه الغالبية، والإرث الديني لها، على شعور بالأمان الديموغرافي، وبعض التميز حيال الإيرانيين. والحقيقة أن ايران نفسها لم تسع في العراق عقب الغزو الأميركي، إلى توحيد الصف الشيعي، ولديها عدد من الوكلاء والحلفاء ممن يتبنون ولاية الفقيه. هي عززت هذا التنوع الشيعي المفقود عملياً في لبنان حيث هناك ثنائية ضعيفة، يُهيمن عليها "حزب الله". بكلام آخر، لدى ايران في لبنان وكالة حصرية لـ"حزب الله". في مثل هذه اللحظات، تبرز أهمية الوكالة.

بإمكان الدولة العراقية والمستقلين الشيعة، حتى القريبين بينهم من إيران، أن يرفضوا جميعاً جر البلاد الى مواجهة لا تحمد عقباها مع واشنطن. والإنقسام اليوم في العراق بين المؤيدين للدولة ومصلحتها، ووكلاء إيران. السؤال هو متى تُصيبنا العدوى العراقية؟  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب

8 شهور عجاف الإثنين 16/09/2019
شينكر المتشائل الخميس 12/09/2019
إيران ولعبة شد الحبال الإثنين 09/09/2019
المزيد