آخر تحديث:07:50(بيروت)
الثلاثاء 20/08/2019
share

البطولة كمدخل للهزيمة

عمر قدور | الثلاثاء 20/08/2019
شارك المقال :
البطولة كمدخل للهزيمة

تترواح الأخبار القادمة عن المعارك في ريفي حماة وإدلب الجنوبي بين تقدم تحققه قوات الأسد بإدارة روسية وإسناد كثيف من الطيران الحربي الروسي، وبين صمود الفصائل التي تتصدى للهجوم، مع محاولات استرداد مناطق استولت عليها ميليشيات الأسد في الهجوم الأخير. مجمل الأخبار غير مبشر، إن عاجلاً أو آجلاً، فالفصائل التي تتصدى للهجوم محكومة بتواضع إمكانياتها لناحية التسليح، وهذه الفجوة الشاسعة مع الإمكانيات الروسية يصعب على إرادة القتال مهما اقترنت بالبطولات ردمُها.

حصار ريف حماة، تمهيداً لاقتحامه من قبل قوات الأسد، قد لا يعدو كونه مسألة وقت. وقد سبق في العديد من المناسبات المماثلة التحذيرُ من أن الهدف الأول هو الاستيلاء على ريف حماة، والسيطرة على الطريق الدولي الذي يربط بين حلب ودمشق قبل التحضير لمعركة إدلب الكبرى. أيضاً سبق لكاتب هذه السطور الكتابة في هذا المنبر عن كون اتفاق أستانة للتهدئة مطلع الشهر الحالي ليس سوى خدعة جديدة، وهذه القراءة لا تُحسب للكاتب بعد كمٍّ هائل من الأحداث المماثلة، وكما نعلم بدأ الهجوم الحالي المكثف بعد يومين فقط من الاتفاق "الخدعة" وسط صمت ثلاثي أستانة. أيضاً لم يكن جديداً تصويب أنقرة على موضوع المنطقة الآمنة بالتزامن مع الهجوم الروسي الجديد، فذلك يخدم سياستها لصرف الأنظار عن دورها في الخدعة الحالية، وتكسب بها حكومتها داخلياً بالتصويب معاً على موضوعي الأكراد واللاجئين.

وكما نذكر استُخدمت إدلب كأنها مكبٌّ للصفقات القذرة، حيث إليها تم ترحيل المدنيين من مناطق محاصرة سابقاً، فضلاً عن إجلاء الفصائل التي كانت تسيطر على تلك المناطق. إلا أن تسليم أية منطقة لقوات الأسد لم يحدث خارج ما نراه اليوم، أي عبر هجوم وحشي ومقاومة بطولية، يخوضها مقاتلون مؤمنون بالقتال بصرف النظر عن دوافعهم الأيديولوجية أو الوطنية، وبصرف النظر عن توجه قياداتهم، وما تعرفه تلك القيادات عن أفق المعركة لجهة وجود تغطية إقليمية أو دولية للبقاء والصمود.

كأنما كل صفقة لا يمكن تمريرها إلا بالطريقة الدموية ذاتها، بدءاً من القصف الذي يُراد به تسوية الأرض وإبادة من عليها، ولا يندر أن يكون المدنيون أكثر المتضررين لأنهم الفئة الأضعف والأقل تحصيناً. مروراً بمقاومة مقاتلين شجعان وتضحياتهم التي لا يمكن النيل منها، بخلاف قيادات الفصائل التي قد يكون لبعض منها على الأقل حسابات وارتباطات ومصالح مختلفة. وصولاً إلى المحطة الأخيرة، أي إلى عدم القدرة على إنكار واقع عدم تكافؤ القوى والاعتراف بالهزيمة، سواء وصفناها بالهزيمة المشرّفة أم لا.

ما سبق بدأنا نشاهده منذ انقضاء زمن "التحرير"، وتحديداً منذ نهاية عام 2012، فحينها قُطعت الإمدادات عن الفصائل التي بدأت تطبق الطوق على دمشق، وخلال أيام انقلب وضع قوات الأسد مع الإمدادات الإيرانية لتتولى زمام المبادرة. ستأتي الرصاصة الأخيرة في ما بعد مع الموقف الأمريكي من استخدام الأسد السلاح الكيماوي، لتتعزز تلك الصفقة القذرة بتأكيدات أمريكية متواصلة على عدم وجود حل عسكري في سوريا، مع عدم ضغط إدارة أوباما ثم إدارة ترامب من أجل حل سياسي. بعد انقضاء زمن "التحرير" رُوّج لاستمرار الخيار العسكري على أنه السبيل الوحيد لدفع الأسد وحلفائه إلى طاولة التفاوض، لكن هذه الفرضية انتهت عملياً منذ الموافقة الأمريكية على التدخل العسكري الروسي ومنح موسكو اليد الطولى كقوة احتلال، ولعل تسليم حلب كان أبلغ دليل على ذلك التوجه لمن لم يكن يريد رؤيته أو الاقتناع بوجوده.

لنتجاهل مؤقتاً كافة الانتقادات الموجهة للفصائل التي تقاتل الأسد، مثل تسلط بعضها على المدنيين في أماكن سيطرتها، وتعدد ولاءاتها بحسب الجهات الداعمة، والعمل بمنطق إمارات الحرب لا بمنطق الصراع السياسي والعسكري معاً... إلخ. بعيداً عن كل المآخذ، إن مجرد اتخاذ وضعية الدفاع، وانتظار اللحظة التي يقرر فيها الأسد وحلفاؤه بدء المعركة، يدلان على موازين القوى ويمنحان الأرجحية للقوات المهاجمة. تكلفة الهجوم مهما ارتفعت لن تؤثر على قرار تلك القوى المهاجمة، ومنذ المعارك الأولى كان واضحاً أن الأسد لا يقيم وزناً لضحايا قواته ولا يتورع قادته عن الزج بهم في أقسى الظروف، بمعنى أن الفصائل المدافعة مهما قاتلت بضراوة فهي تفتقد عامل الردع التقليدي.

أكثر الناس طيبة أو سذاجة لم يكن ليعوّل في مثل هذه الظروف سوى على حدوث معجزة تقلب الظروف الدولية والإقليمية رأساً على عقب، ولقد شهدنا أحلاماً تحطمت على مذبح الصراع الشيعي-السني الذي انسحب طرفه العربي من سوريا، ثم شهدنا تحطم أمثالها على مذبح الضامن التركي لما سُمي مناطق خفض النفوذ، ولعلنا نشهد معه تهافت الاشتباك الأمريكي-الإيراني، أو على الأقل استثناء سوريا منه إلا في حدود المنطقة العازلة التي تطالب بها إسرائيل. أخيراً لم يظهر أي تحرك دولي لمنع المذبحة الجديدة، ولم يعد المجتمع الدولي بحاجة حتى إلى عقد جلسات لمجلس الأمن تنفض بلا بيانات أو قرارات، أي أن ما هو أقل بكثير من المعجزة المطلوبة لن يحدث.

في حالة نادرة، منذ انتهاء الهجمات البربرية القديمة التي كانت تهدف إلى إفناء جنس بشري ما، نحن إزاء وضع ينحصر بين خياري الاستسلام للأسد وقبول المقدار الذي يقرره من تنكيل بالأهالي وبالمقاتلين، أو دفع الثمن الباهظ لمقاومة لا تملك أفق النصر. وضعُ السوريين بين خيارين خاسرين فيه كل ما يُقال عن تخاذل المجتمع الدولي، وأهم من ذلك ما يحمله من إمكانية استثمار عسكري وسياسي لقوى الخارج. 

اليوم، وقبل سنوات أيضاً، تصعب على من يرى النهاية المأساوية ذاتها المفاضلةُ بين الاحتمالين، ويصعب عليه أيضاً اتخاذ دور "الناصح" عن بعد لأناس يرون مقتلهم أمامهم وهناك من أحرق السفن وراءهم. وكي لا تؤخذ حيرتنا كمسوّغ جامع، المسؤولية تقع أولاً وأخيراً على أصحاب القرار في تلك المناطق وداعميهم، والمسؤولية لم تعد سياسية مع انحسار الأفق السياسي، بل هي إنسانية في المقام الأول إزاء الأهالي وأيضاً إزاء صغار المقاتلين الذين يضحون ببطولة على مذبح هزيمة متّفق عليها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عمر قدور

عمر قدور

كاتب روائي سوري

مقالات أخرى للكاتب