آخر تحديث:12:18(بيروت)
الأربعاء 14/08/2019
share

مرابطون.. على ثغور الصين

ساطع نور الدين | الأربعاء 14/08/2019
شارك المقال :
مرابطون.. على ثغور الصين
لعله خير.

لكن، حتى الآن، وبعد مرور أكثر من 24 ساعة على صدور بيان حركة الناصريين المستقلين، "المرابطون"، المؤيد "لوحدة الأراضي الصينية"، والداعم "للقيادة الصينية الحكيمة والرشيدة بقيادة فخامة الرئيس شي جين بينغ"، (وصواب الإسم هو شي جينبنغ)، لم تنشر الخبر وكالة "شينخوا" الصينية للأنباء، على موقعها الرسمي، ولم يعرف ما إذا كانت بقية وسائل الإعلام الصينية، الناطقة بالعربية أو الصينية، قد بثت الخبر.

يأخذ البيان الاستثنائي قارئه على حين غرة، في رحلة إلى الماضي، عندما كان التقليد السياسي والعمل الحزبي والعرف اللبناني، يقتضي صدور مثل هذه المواقف الجامحة، المتقدمة في تناولها قضايا لم تكن عامة اللبنانيين تعرف عنها شيئاً. وكان من الطبيعي أن تذيّل بيانات الأحزاب اللبنانية بيسارها ويمينها، كبيرها وصغيرها، بفقرات تتحدث مع الحزب الشيوعي السوفياتي حديث الند والشريك والحليف، وتوجه التحية إلى الاتحاد السوفياتي العظيم، على مواقفه الداعمة للقضايا العربية، وعلى رأسها قضية فلسطين، وتعبر عن التقدير للبيان الأخير لقيادة حلف وارسو مثلاً، ثم تعرج على مسائل التحرر الوطني في القارات الثلاث، آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وتكيل الشتائم والتهديدات للامبريالية الأميركية وربيبتها الحركة الصهيونية.. لكنها كانت كلها تتفادى الصين وتجربتها الشيوعية الخاصة، والمغتربة عن الأمميات الاشتراكية القديمة، سواء في حقبتها الماوية المتطرفة، أو لاحقاً في مرحلتها التوفيقية المستمرة حتى اليوم.

وعلى هذا القياس يبدو بيان "المرابطون" فتحاً جديداً في تاريخ العمل السياسي (اليساري، إذا جاز التعبير). التطلع نحو الشرق، نحو المارد الصيني، ليس حديث العهد، لكن رواده كانوا في الفترة الماضية أحزاب اليمين، الذين كانوا وما زالوا يتلقون الدعوات من القيادة الصينية لزيارتهم بكين، مثلهم مثل رجال الأعمال والتجار والمستثمرين الذين لم يكن اليسار من هويتهم، ولا الاشتراكية من ثقافتهم، ولا التحول الصيني يعني لهم شيئاً.

لا يتحرش "المرابطون"، على تواضع تنظيمهم وتهافت فكرهم وتهاوي قيادتهم، حتى بالمقارنة مع ما كانت عليه أحوالهم المتواضعة والضيقة في الحرب الأهلية، بالدولة الصينية عبثاً. ثمة ما يدور في الخفاء بين الحركة الناصرية اللبنانية التي يقدر عدد أعضائها بالعشرات في أحسن تقدير، وبين قيادة الرئيس جينبنغ "الحكيمة والرشيدة"، لمليار و300 مليون صيني، يعصى على التقدير الآن، لكنه يؤسس على الأرجح لتفاعل وتعاون ثنائي بين الحزبين، وربما لاحقاً بين الشعبين والبلدين.. بما يمدّ محور المقاومة والممانعة من أقصى غرب آسيا إلى أقصى شرقها، مروراً طبعا بالحاضرتين المؤثرتين، دمشق وطهران.

لكن، وبرغم ما في التوجه شرقاً من حكمة وحنكة يعكسها "المرابطون"، فإن البيان خانه التعبير عن التضامن مع الصين، الذي إستعار الكثير من مفردات الستينات والسبعينات من القرن الماضي. فوحدة الأراضي الصينية ليست مهددة من حركة الاحتجاج السياسية الواسعة في هونغ كونغ، أكثر مما هي مهددة من قبل حركة التمرد في الغرب الصيني، إقليم شينغ يانغ (سنجان، أو تركستان الشرقية)، من قبل الإيغور المسلمين، الذي دفعهم الاضطهاد إلى الهجرة، وحمل السلاح، والانتظام في ميليشيا تقاتل اليوم في شمال سوريا ضد حليف القيادة الصينية الرئيس بشار الاسد، تحت إسم "الحزب التركستاني الاسلامي".

هنا ربما يكمن السر. صدور البيان كان على الأرجح بوحيٍ أو إلهامٍ سوري، أو قل أنه جاء بطلب من القيادة السورية التي أرادت استخدام جميع أسلحتها السياسية الثقيلة، في الوقوف إلى جانب القيادة الصينية في محنتها السياسية الراهنة في هونغ كونغ، التي يمكن أن تنتهي في أي لحظة بدخول الجيش الصيني إلى المستعمرة البريطانية السابقة.. ومن دون الإلتفات إلى بيان "المرابطون"، الذي أساء التعبير والتقدير أيضاً، عندما دعا "الأمم المتحدة إلى القيام بدورها كمرجعية دولية"، في شأن داخلي صيني يفترض أن يكون مسؤولية القيادة الرشيدة للرئيس جينبنغ وحدها من دون أي تدخل خارجي، حتى من حزب لبناني يزعم التعاطف والتضامن، ويرفض "الهجمة الامبريالية التي تستهدف وحدة الشعب الصيني"، على ما ورد في البيان.

هنا أيضاً، لا بد من التريّث قليلاً، لكي نعرف كيف تلقت القيادة الصينية بيان "المرابطون"، وما إذا كانت ستجيز نشره في إعلامها، أم أنها ستعتبره رمية لبنانية من غير رامٍ، لم تُصب، ولم تخفف المحنة في هونغ كونغ.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ساطع نور الدين

ساطع نور الدين

رئيس تحرير جريدة المدن