آخر تحديث:12:00(بيروت)
الأربعاء 14/08/2019
share

روسيا تتظاهر..النظام يتحلل

بسام مقداد | الأربعاء 14/08/2019
شارك المقال :
روسيا تتظاهر..النظام يتحلل
مروحيات في الجو ، إقفال شبكة الإنترنت ، إغلاق المحال التجارية والمقاهي ، هراوات البوليس لا تميز بين يافع ومسن ، آلاف المعتقلين ، واتهامات بإثارة أعمال شغب تهدد بالسجن لمدة قد تبلغ 15عاماً. 

كلا ، هذا ليس في دمشق أو القاهرة أو أية عاصمة أخرى في الشرق الأوسط ، كما قد يتبادر إلى ذهن القارئ للوهلة الأولى ، بل هو في موسكو . وقد ترافقت الإحتجاجات ، التي شهدت كل ذلك في شوارع موسكو وسان بطرسبورغ ومدن روسية أخرى ، مع حلول السنوية العشرين لوصول بوتين إلى الكرملين في التاسع من آب /أغسطس الجاري. وخلال هذه المدة ، كان بوتين يعتقد أنه قد وحد المجتمع حول السلطة بحديثه عن الصواريخ الخارقة ، وعن الإنجازات الكثيرة في عهده ،  وأن الشعب كله مع "استرداد" القرم ، وهو معجب بجميع هذه الإنجازات ، ومشاعره الوطنية في أرفع مستوياتها . لكن فجأة ، نهض الناس ، الذين يرون أن الفقر والفساد والغياب المطلق للحقوق يقف وراء كل ذلك ، على قول الشاعرة الروسية ماريا فاتوتينا، كما نقل عنها الكاتب مارك كاتليارسكي في موقع "Detaly" الإسرائيلي الناطق بالروسية . 

 تتوالى الإحتجاجات إسبوعياً في موسكو وسان بطرسبورغ ومدن روسية أخرى منذ شهر تقريباً ، وإذا كان قد شارك في الأول منها حوالي ألف شخص، وصل عدد المشاركين في الأخير منها في 10 آب/أغسطس إلى حوالي 50 الفاً. وفرض تواصلها طيلة هذه المدة على الكتاب السياسيين الروس المعارضين والموالين للسلطة التساؤل عن مستقبلها، وما إذا كانت ستضع بداية لتحولات سياسية في روسيا، حسب الكاتبة ليليا شفتسوفا في موقع "ZNAK" الروسي .
 

ترى الكاتبة أن الأعداد ، التي خرجت في الإحتجاجات الأخيرة ، هي أقل من تلك ، التي شاركت في احتجاجات 2011 ــــــ 2012 ، وذلك بسبب المطر والعطل الصيفية والخوف من القمع . لكنها تستدرك ، بأن الحدث لا يجوز تقييمه بعدد المشاركين به ، إذ أن الناس يصرون على الخروج للمشاركة ، بالرغم من تصعيد العسف ضدهم . وكل واحدة من هذه التظاهرات ترسخ نوعية جديدة مختلفة للإحتجاج ، إذ يخرج إلى الشارع الآن الشباب والطلبة ، وتشارك فيها المناطق الروسية الأخرى، مما يشير إلى أن روسيا تشهد تحولات عميقة. فالناس، برأيها، يخرجون إلى الشارع ليقولوا للسلطة بأن صبرهم قد عيل من فرط وقاحتها وعنفها وفسادها . 

وبعد أن تؤكد الكاتبة ، أن السلطة قد فوجئت بحجم الإحتجاجات ودوريتها وتمددها إلى مناطق أخرى خارج موسكو ، ترفض أن تعتبرها بداية ثورة أو انقلاب قصر ، وتقول بأن لا أساس للحديث عن أزمة سلطة، بل إن مواجهة النظام العنيفة للإحتجاجات تشير إلى تحلله وتعفنه. وتشير إلى أن أزمة النظام تعني فقدان تحكمه بالأحداث، وشلل الشرائح الحاكمة، كما تعني الفوضى وتخلي حراس النظام عن الدفاع عنه ، وهو ما لا نراه الآن. صحيح أن النظام أخذ يصيبه الوهن في مواجهة التحديات، وكفت عن العمل "ديكتاتورية القانون" ، التي كان يتلطى بها وأخذت تهدم أسسه، إلا أن ذلك لم يزعزع وحدته ، ولجأ إلى العنف ، ونزع ورقة التين عنه. وهي ترى، أن نظام الإستبداد دخل مرحلة النزع الأخير منذ مدة طويلة ، ويشير سقوط النظام السوفياتي في ظل غياب أي تهديد خارجي، إلى أن النظام الراهن لا مستقبل له ، لكن النزع الأخير لمثل هذه الأنظمة قد يطول لعشرات السنين برأيها . 

وعن دور الأجهزة الأمنية في الأحداث الراهنة ، والكلام عن انقلاب هادئ تقوم به ، تقول الكاتبة ، أن هذه الأجهزة قد حصلت ، وللمرة الأولى في تاريخ روسيا ، على الحق في تخصيص السلطة والملكية ، مما يعني تخليها عن وظيفتها الأساسية في حماية الإنتظام العام وأمن الدولة . وهي ترى أن الكرملين كان ، حتى الآن، يوازن بين مصالح الأمنيين وسواهم من الشركاء الأوليغارشيين في السلطة ، ولا تعتبر أن الأمنيين قد خرجوا عن سلطة بوتين، بل إن تحولهم إلى العنف غير المبرر ، قد جاء بقرار من السلطة السياسية ، التي تستمر في التحكم بالمفاصل الأساسية للسلطة. وهي تعتبر أن سكوت السلطة السياسية عن ما حدث يعني أنها تريد ان تحتفظ لنفسها بهامش من حرية المناورة، ولا يعني غياب بوتين خلال الإحتجاجات ، وتواجده في القرم بصحبة أصدقائه من راكبي الدراجات النارية، بأنه فقد التحكم بالأمنيين، بل يعني أنه يعتبر ما كان يجري من احتجاجات ، هو حدث لا يستحق الإهتمام . 

المشكلة ليست في الأمنيين، بل المشكلة في من يتحكم بهم ويسمح لهم بما يقومون به ، وتحويل الصراع إلى صراع مع الشرطة، هو أفضل هدية  تقدمها المعارضة لأولئك الذين يريدون التصعيد في إرهاب الدولة ، والرد على الإرهاب بالإرهاب هو الكارثة بعينها ، ولن يتمخض ذلك سوى عن أنظمة أكثر وحشية ، كما يشير تاريخ روسيا ، برأي الكاتبة . وهي ترى أن السلطة تتجه نحو الديكتاتورية، التي قد لا تكون ديكتاتورية فردية، بل جمعية. وسبق للكرملين أن هيأ نفسه لمرحلة اندلاع موجات الإستياء الشعبية ، وهو ما يبرز في تلاحم النظام ، الذي أعاد تنظيم نفسه بعد ضم القرم وفرض العقوبات الغربية عليه.  وليس أمام النظام سوى تصعيد العنف ، إذ أنه استنفذ جميع وسائل الحكم السابقة ، وليست الطبقة الحاكمة قادرة على العيش ضمن الأطر القانونية . لكن الكرملين يعاين إلى أي مدى بوسعه مضاعفة العنف ، إذ أنه يعرف أنه سلاح يرتد عليه في حال المبالغة به ، واستطلاعات الرأي الأخيرة تشير بوضوح إلى ذلك، حيث عبر ثلث الموسكوفيين عن استعدادهم للإنضمام إلى حركات الإحتجاج . 

وترى الكاتبة أن الإصلاحات  قد فات أوانها ، إذ أنها تعني إصلاح ما هو موجود، في حين أن روسيا بحاجة إلى تغيير النظام ككل على أسس جديدة ، تنتقل بالدولة من دولة اللاقانون إلى دولة القانون . وهي ترى أن ليس في السلطة أي من القوى قادرة على تحقيق هذه المهمة، بل هي مهمة مجموعات لم تلطخ نفسها بالمشاركة في خدمة النظام التسلطي. وهي ترى أن تجربة أوكرانيا تشير إلى أن الخروج من النظام التسلطي ، هو أصعب بكثير مما كان عليه الخروج من الشيوعية . 

أما إعلام الكرملين ، وعلى غرار أي إعلام ممانع، فقد جير الإحتجاجات منذ انطلاقها إلى "المؤامرة  والعنصر الخارجي"، الذي يحركها. فقد كتبت صحيفة القوميين الروس "SP" في تعليقها على احتجاجات موسكو تحت عنوان "النصابون السياسيون يعدون لروسيا في احتجاجات موسكو "ميدان العام 2024 " تقول: في عاصمة روسيا يتدربون على تقنيات "ثورة ملونة" جديدة تدمر روسيا . وهي ترى أن الأسباب الكامنة خلف الإحتجاجات تتلخص في سببين : الأول يتلخص في أن الناس يعانون من أوضاع صعبة للغاية ، حيث يرهقهم الفقر والإصلاحات المعادية للمجتمع وغياب الحوافز الإجتماعية للتقدم، مما يدفع بهم إلى التشكيك في فعالية السلطة القائمة. 

أما السبب الثاني فتراه الصحيفة في أن المنافسين الجيوسياسيين لروسيا ، لا يمانعون في اللجؤ إلى الوسيلة المجربة منذ أمد طويل في تغيير السلطة في البلدان الأخرى بواسطة" احتجاجات الشارع ". وما الإنتخابات الراهنة في برلمان موسكو سوى "فرصة ثمينة" لهؤلاء . 

 اللافت أن بعض المدونين السوريين المقيمين في روسيا قد ساءه ، أن لا يأتي محتجو موسكو على ذكر سوريا في شعاراتهم، التي رفعوها في تظاهراتهم . ويبدو أن هؤلاء ، الذين كانوا يتابعون مجازر الطيران الروسي في إدلب ، قد سهوا عن حقيقة أن سوريا ليست على جدول الإهتمامات اليومية للروس ، وأن هؤلاء مشغولون بما يصيبهم  من السلطة القائمة . 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها