آخر تحديث:08:11(بيروت)
الأحد 11/08/2019
share

عن البيان المُهين للسفارة الاميركية

ساطع نور الدين | الأحد 11/08/2019
شارك المقال :
عن البيان المُهين للسفارة الاميركية
بيان السفارة الاميركية حول حادثة قبرشمون مهين، وخطير في آن. ولولا أنه صادر عن البعثة الدبلوماسية لدولة عظمى، لوجب إستدعاء السفيرة الاميركية اليزابيث ريتشارد الى وزارة الخارجية، وإبلاغها بقرار إعتبارها شخصاً غير مرغوب به، والطلب منها المغادرة خلال أقل من 24 ساعة، وإستدعاء السفير اللبناني، وخفض العلاقات الثنائية بين البلدين الى الحد الادنى. وهو ما كان يمكن ان يرتقي بوزير الخارجية جبران باسيل الى مرتبة "البطل الوطني"، او حتى القومي أيضاً.

قبل الصفعة التي وجهتها السفارة الاميركية الى الدولة اللبنانية، والتي إنحنى بها كبار المسؤولين اللبنانيين، وفوتوا فرصة ذهبية للاستقواء الدبلوماسي على أميركا، والتنديد بتدخلها الفظ في الشؤون الداخلية اللبنانية، لا بد من الاشارة الى أن هذه الخطوة المفاجئة التي أقدمت عليها السفارة، لم تكن هي التي فرضت المصالحة في القصر الجمهوري بين طرفي النزاع في قبرشمون، بل ساهمت في تسريعها فقط. كان الرؤساء الثلاثة، وتحديداً الرئيس ميشال عون، قد توصلوا قبل يوم من صدور ذلك البيان المشؤوم، الى أن المضي قدما في مسار التصعيد والتحدي مع الدروز وزعميهم وليد جنبلاط، يمكن ان يؤدي الى إنهيار كامل للأمن والاقتصاد ويفتح بوابات جهنم الحرب الاهلية من جديد.

بالطبع كان الرئيس عون والرئيسان نبيه بري وسعد الحريري قد تلقوا أكثر من تحذير دبلوماسي أميركي واوروبي وعربي ايضا، من مغبة الإستمرار في رفع منسوب التوتر الطائفي، وخفض قيمة العملة اللبنانية، لكن أحداً من الدبلوماسيين المعتمدين في بيروت لم يجرؤ أو حتى لم يفكر في نقل هذا التحذير الى العلن كما فعلت السفيرة الاميركية اليزابيث ريتشارد، التي صُنف بيانها الصحافي الخاص بقضية قبرشمون، بإعتباره أمر عمليات الى السلطة اللبنانية، مع أنه لم يكن كذلك أبداً.

وهنا حصلت الاهانة. فالبيان الصحافي هو في العرف الدبلوماسي، أدنى مراتب البيانات والتصريحات التي تصدر عن أي سفارة، وعن أي دولة، خصوصا وأنه لم يكن مذيلاً بتوقيع السفيرة ولم يكن يحمل إسمها حتى. وهو أمر معيب بحق لبنان، الذي لم يسبق له أن عومل بهذا الازدراء من قبل اميركا، بل كان حتى الأمس القريب، يحتل مكانة خاصة في كل ما كان يصدر من واشنطن من مواقف عن وزارتي الخارجية والدفاع ، والبيت الابيض أحياناً، وينال نصيبه أحياناً من خطابات وتصريحات جميع الرؤساء الاميركيين، وهو ما كان بلا شك، يرضي غرور اللبنانيين جميعاً، ويشعل رؤوسهم الحامية.

إنتهى الامر بلبنان في بيان أميركي مغفل، ربما لم تطلع السفيرة الاميركية رؤساءها عليه، بل إجتهدت من تلقائها، على نحو ما فعل سفير أميركي سابق عندما بادر قبل سنوات قليلة الى دعم أحد المرشحين لرئاسة الجمهورية اللبنانية، من دون معرفة مسؤولي وزارة الخارجية الاميركية، فإستدعي الى واشنطن يومها، وتعرض لما أكثر من اللوم، على ذلك الموقف المحرج الذي وضع حكومته فيه، ما إضطرها الى النأي بنفسها عن المعركة الرئاسية اللبنانية، والتسليم من بعيد بخيار "حزب الله" الرئاسي.

منذ ذلك الحين، سقط لبنان بشكل نهائي تقريبا من إصدارات وزارتي الخارجية والدفاع، والبيت الابيض طبعا، وصار التعامل معه محصوراً بوزارة الخزانة الاميركية التي تعاجله بين الحين والاخر بتقارير مفصلة، ولوائح إسماء صريحة ومرمزة مرفقة بتواريخ ميلاد وشهادات مدرسية وعناوين شركات ومكاتب للبنانيين أُخضعوا لقانون العقوبات الاميركي المفروض على حزب الله، او على سوريا او إيران.. وهو ما لا يسهم في احياء الغرور اللبناني الدائم.

يمكن إبتلاع الاهانة التي لم يرد عليها الرئيس عون وصهره بما يليق، وبما هو معروف عنهما، لكن ما لا يمكن قبوله فعلا هو ذلك التشكيك الاميركي الاول من نوعه بالقضاء اللبناني ونزاهته وحياديته، والذي يبدو، في بيان السفارة، أخطر بكثير من لوائح العقوبات الاميركية بحق بعض المواطنين اللبنانيين.. لأنه لا يمس السلطة القضائية التي فقدت المزيد من مصداقيتها نتيجة حادثة قبرشمون، بقدر ما يصيب شرعية الدولة اللبنانية في الصميم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ساطع نور الدين

ساطع نور الدين

رئيس تحرير جريدة المدن

مقالات أخرى للكاتب