آخر تحديث:21:37(بيروت)
الأربعاء 03/07/2019
share

صواريخ روسيا خارج اللعبة السورية

بسام مقداد | الأربعاء 03/07/2019
شارك المقال :
صواريخ روسيا خارج اللعبة السورية
ليس من عادة وزارة الخارجية الروسية أن تعلق على الغارات الإسرائيلية على سوريا ، بل كان يُترك الأمر عادة لوزارة الدفاع ومؤسساتها المختلفة . لكن الغارات الإسرائيلية الواسعة على مواقع في سوريا مطلع الشهر الجاري ، جعلت روسيا ، كما يبدو ، ترى فيها تغيراً ما طرأ على المقاربة الإسرائيلية لهذه الغارات . فخرجت الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا لتعلن ، رداً على سؤال "صحافي مجهول" عن موقف روسيا من الغارات الأخيرة "الأوسع خلال السنوات الأخيرة" ، بأن الغارات هي  الأوسع ، فعلاً ، منذ أيار/مايو العام 2018 ، وأن روسيا قلقة لهذا "التطور الخطير" للوضع ، وان أعمال العنف ، التي تنتهك سيادة سوريا تحمل في طياتها تهديداً لزعزعة استقرار المنطقة ، في ظل ظروف لا يمكن معها تأمين مصالح الأمن القومي لأي من بلدان الشرق الأوسط.

لكن بيان زاخاروفا لم يكن الإشارة الروسية الوحيدة للغارات الإسرائيلية المتكررة على سوريا ، فقد كان سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف قد قال ، خلال لقائه في القدس مع زميليه الأميركي والإسرائيلي ، أن هذه الغارات "غير مرغوب بها" .  لكن التفسير الإسرائيلي لكلام باتروشيف هذا كان غريباً . فقد نقل موقع "vesti" الإسرائيلي الناطق بالروسية عن المعلق العسكري الإسرائيلي رون بن إشاي في تحليل له لمدلولات الغارات الأخيرة قوله ، بأن المسؤول الروسي لم يكن يعني بكلامه ، أن على إسرائيل التخلي كلياً عن مثل هذه العمليات ، بل قصد بأنها يجب أن تكون نادرة الحصول ، والا تلحق الأذى بالعسكريين الروس.

ويقول المعلق الإسرائيلي ، أن الأمر الآخر ، الذي ينبغي أخذه بالإعتبار ، لدى الحديث عن مدلولات هذه الغارات ، هو أن المستشارين العسكريين الروس ينبغي أن ينجزوا مهمتهم في تدريب السوريين على استخدام صواريخ S-300 خلال شهري حزيران – تموز/ يونيو – يوليو ، وتسليمهم قيادتها . وهذا يعني أن الروس سوف يسحبون مستشاريهم من محيط هذه الصواريخ ، وإبعادهم عن منطقة الضربة المحتملة من قبل الطيران الإسرائيلي . ويعتبر هذا المحلل أن القصف الإسرائيلي الأخير من الجو والبحر كان يهدف إلى اختبار قدرة السوريين على استخدام الصواريخ المذكورة .

لكن عدم استخدام  صواريخ S-300 في صد الغارات الأخيرة يشير إلى أن الأمر الروسي لم يصدر بعد ، وأن العسكريين الروس لا يزالون مستمرين في استخدامها. لكن الأمر قد يتغير، برأيه، ما أن يبدأ العسكريون السوريون في القيام بمهام استخدام الصواريخ تلك ، وابتعاد الروس عن محيطها . وينسب إلى مصادر في الجيش الإسرائيلي قولها، بأن الطيران الإسرائيلي قادر على القيام فوراً بتحييد منظمات الصواريخ تلك، ما إن يغادرها العسكريون الروس، الذين لا يريد الإسرائيليون تعريض حياتهم للخطر .

ويفترض الرجل، أنه في حال تعرض السوريون لضربة مؤلمة أخرى، قد يطالبون روسيا بتشغيل المنظومات تلك ضد الإسرائيليين، أو السماح للعسكريين السوريين بتشغيلها. لكن في مثل هذه الحالة ليس لدى الروس أية ضمانة بفعالية تشغيلها من قبل السوريين ، مما يعرض للخطر سمعة نظام الدفاع الروسي . أما في حال تسليم السوريين مهمة تشغيل تلك المنظومات، فليس من ضمانة أيضاً، بأن الإسرائيليين لن يقوموا بتدميرها، وهو ما لن يرفع أيضاً من هيبة نظام الدفاع الروسي .

وإذ يتحدث الكاتب عن "خطة ماكرة" وضعها الإسرائيليون لإخراج منظومات  صواريخ S-300 من "اللعبة" في سوريا، يقول بأن القصف الأخير لم يكن مجرد هجوم واسع على أهداف إيرانية ، وحتى ليس استطلاعاً حربياً ، بل كانت هناك مهمات إستراتيجية أكثر عمقاً بكثير . ويقول بأنه ، ليس من المستبعد أن تكون الضربة الواسعة الأخيرة لأهداف سورية ، قد توخت هدف إخراج السوريين من "دائرة الإطمئنان" ، التي يتوقعونها من صواريخ S-300 ، ووضع روسيا أمام خيار صعب . وبموازاة ذلك جرى التأكد من أن منظومات الدفاع الجوي السورية ليست ، في وضعها الراهن ، ذات فعالية في تنفيذ مثل هذه المهمات ، وما سقوط حطام الصاروخ السوري فوق شمال قبرص سوى دليل على مدى هذه الفعالية، على قوله.

ويلفت بن إشاي إلى أن الغارات المكثفة الأخيرة تشير، إضافة إلى كل ذلك ، إلى تغيير تكتيكي في الضربة الإسرائيلية يتمثل في اعتماد الهجمات المكثفة لمجموعة كبيرة من الأهداف في فترات زمنية متباعدة ، بدلاً من ضربات الأهداف المتفرقة بفترات زمنية متقاربة .

أما القوميون الروس، فكان لهم راي آخر في الحكم على النوايا الإسرائيلية، التي تقف وراء الغارات الأخيرة على مواقع في سوريا، إذ رأوا في صحيفتهم "SP" أن "إسرائيل ألحقت وصمة عار أبدية بصواريخ S-300 الروسية" ، وقالت بأن منظومات الدفاع الجوي الروسية لم "تسقط صاروخاً واحداً " . ورأت أن كثافة الغارات والقصف وتعدد الأهداف يشير إلى ، أن تل أبيب "ترفع الرهانات" من غارة لأخرى ، وأن نتنياهو لم يعد يتلطى الآن خلف ضرورة مجابهة "التهديد الإيراني"، بل أخذ، بكل بساطة، "يحول سوريا إلى رماد". وقالت بأن هذا الإستفزاز موجه، ضمن آخرين ،  إلى روسيا أيضاً .

وعلى عكس الرأي الإسرائيلي القائل ، بأن السوريين لم يتسلموا بعد إدارة منظومات صواريخ S-300 ، تقول الصحيفة بأن الإسرائيليين، ومن خلال صور فضائية نشرت قبل يوم من الغارات الأخيرة ، لاحظوا وجود 4 منظومات من تلك الصواريخ مهيأة للإستخدام ، نشرتها دمشق في منطقة مصياف ، ولذلك قرروا "إفهام الأسد من هو السيد في المنطقة "، ومن يمتلك التقنيات العسكرية الأفضل . وترى الصحيفة أن هجوم الجيش الإسرائيلي يشبه السخرية من صواريخ S-300 ، إذ أنها كانت منصوبة لم يمسها أحد ، في حين كانت معظم الصواريخ الإسرائيلية توجه الضربات "أمام أنف هذه الصواريخ " . وتقول الصحيفة ، بأنه يبرز مرة أخرى السؤال : هل الأنظمة الروسية غير فعالة ضد الصواريخ الإسرائيلية ؟ أم أنه ، ولسبب ما ، لم يتم تشغيلها؟ في الصحافة الإسرائيلية يسود الرأي الأخير ، إذ يعتبرون أن هذه المنظومات قد جرت مبالغة في تقديرها، وهي تصلح "للعرض" فقط.

وتنقل عن خبير عسكري روسي قوله ، بأن معظم الصواريخ الإسرائيلية قد تم إسقاطها ، ومن المستبعد أن يكون قد جرى تشغيل S-300 ، على قوله . ويسترسل هذا الخبير في الحديث عن أخطاء تقنية في نصب الصواريخ في مصياف الجبلية ، مما يخفض من كفاءتها ، ويشكك في ما إذا كان السوريون قد تدربوا على احتساب هذه الأمور. ويؤكد مرة أخرى للصحيفة بأنه يستبعد أن تكون قد استخدمت منظومات S-300 ، وإلا كانت قد أُسقطت "ولو طائرة واحدة" ، لأن هذه الأنظمة مخصصة للتعامل مع الأهداف كبيرة الحجم .

منذ أن أُعلن عن تسلم سوريا منظومات S-300 الخريف المنصرم ، والسؤال يتكرر بعد كل غارة إسرائيلية: "لماذا تبقى هذه الصواريخ صامتة في وجه الطيران الإسرائيلي؟". والجواب ليس بالتأكيد في "الخطة الماكرة" لإسرائيل للكشف عن خبايا صمت هذه المنظومات، وليس أيضاَ في التفسيرات التقنية و"جهل السوريين" بها. الجواب قد يكون في ما أخذ يبرز في الإعلام الروسي ، بعد اللقاء الثلاثي في القدس لمسؤولي الأمن القومي في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا، و"التعديلات"، التي تكون قد طرأت على الأولويات الروسية بشأن الأزمة السورية، وعلاقة روسيا بالحليفين الإيراني والتركي. فقد كتب ستانيسلاف إيفانوف ، أحد كبار الباحثين والمؤرخين الروس في الأول من الشهر الجاري مقالة في صحيفة "NG" الروسية قال فيها ، بأنه بينما يحاول ممثلو الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل إيجاد توافق مقبول بشأن الخروج من المأزق السوري وخطواتهم المقبلة في سوريا ، تبذل السلطات التركية والإيرانية مزيداً من الجهود في الصراع من أجل "مكان تحت الشمس السورية" .


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب