آخر تحديث:10:53(بيروت)
السبت 27/07/2019
share

الحبُّ في زمن التطبيع

أحمد عمر | السبت 27/07/2019
شارك المقال :
الحبُّ في زمن التطبيع

 ليست صحيحة مقولة إنّ الصورة تغني عن ألف كلمة، بعض الصور يحتاج إلى ألف كلمة لشرحها، وهناك كلمات تحتاج إلى آلاف الصور من غير أن تفيها حقها. رأينا ذلك المشهد الملحمي الذي كان بطله الصحافي السعودي ماشياً في "طريق الآلام"، كما مشى المسيح يوماً وهو يحمل صليبه الخشبي الثقيل ليُصلب عليه. اسم فاتح القدس بالحب لا بالسيف، هو محمد سعود، وهو اسم يجمع بين البعثتين النبوية الإسلامية والملكية السعودية، وبين الحمد والسعادة، وكان العاشق حريصاً على الزيّ العربي كما لو أنه كل كرامته في زيارته المباركة إلى أورشليم القدس من أجل التطبيع الديني بين أولى القبلتين وثانيهما. العرب المعاصرون لا ينامون على ضيم ويكرمون الكرام ومثال ذلك صاحبنا محمد سعود، الذي ردّ زيارة مواطن إسرائيلي من أصل روسي يُدعى بن تسيون تشدنوفسكي إلى المسجد النبوي في المدينة المنورة، زيارة بزيارة والحبُّ سجال.

وكان بن تسيون قد قال في تعليق له على فيسبوك مرفقاً بصورة له وهو يؤدي رقصة السيف الشهيرة في السعودية بزي محمد سعود في زيارة القدس: "شعب السعودية سيقف بجانب الأمة اليهودية جنباً إلى جنب." وقال في تعليق آخر: "السلام في الشرق الأوسط بالاحترام والحبّ لبعضنا البعض."

وأضاف: "لا أحد في العالم العربي حاول الاقتراب منه بغرض الاعتداء." فشكرا له على هذا الثناء مع أننا متهمون بالإرهاب، بل نحن إرهابيون حتى إذا ثبت العكس. لم يعتد عليه أحد لأن زيارته هامسة، سريّة، مقنّعة بالزي العربي، على العكس من زيارة محمد سعود الذي أراد أن يفتح القدس من غير حطّين، فجعل زيارته صاخبةً. وعادة ما يفضل الملوك العرب والنخب العربية في زياراتهم الخارجية الزيّ الفرنجي. وكان المسيح حسب الرواية المسيحية التي مثّلت في عشرات الأفلام قد صُلب بريئاً ليحمل ذنوب المجرمين ويغفرها بدمه، بل إنه سيغفر حتى ذنوب من صلبوه كما قررت كنيسة الفاتيكان مؤخراً. وقد لاقى محمد سعود  الظلم حسب الصورة التي تستدرُّ كثيراً من الشفقة والعطف، وهو يحمي غترته وعباءته من صبية القدس الأشرار، فقد قُذف بكل ما خفّ وزنه وبخس ثمنه، من كراس بلاستيكية ونعال، وبصق عليه عدة مرات، البصاق أيضاً خفيف الوزن وبخس، وينتظر قريباً أن يحظى ببعض الجوائز. أتبصقون على رجل يقول: أحب إسرائيل؟

  كان مشهداً نبوياً لولا أنّ الصورة تحتاج إلى شرح مثل شرح المعلّقات السبع من عرقوبها، وقد شرحته سخرية الممثلة الكوميدية الإسرائيلية الإيرانية الأصل نوعم شوستر، زعيمة حزب نعمة- اللهم أدمها نعمة واحفظها من الزوال- وأفسدت الحب المثالي عندما قالت في لقاء تلفزيوني إنّ البطل جاء من أجل البنات اليهوديات يريد الظفر بهن والانتصار عليهن على طريقة أحمد سعيد في  موسم الهجرة إلى الشمال، وأخطأ محمد سعود العنوان كما قالت نوعم، فالجميلات في تل أبيب، والرجل ذهب إلى القدس، جهاز إرشاد الملاحة العاطفية كان مضطرباً، وضحكت غامزة من قناته وبقية قنوات أم بي سي: بل إنه لو أراد شباناً في تل أبيب لوجدهم!. جاءت الطعنة سريعاً في الظهر. التطبيع بالمصاهرة معروف. والمصاهرة نوعان؛ شرعية لها أنساب وأنسال، وغير شرعية بلا أنسال. ولم تعرض نفسها كما فعلت في المرة السابقة فهي طموحة إلى فراش الملوك، بالحلال طبعا.

عاد الحديث عن التطبيع بعد زيارة الصحافيين العرب الخمسة أورشليم القدس، والتطبيع مصطلح حديث يعود نسبته إلى أبا ابيان، سنة 1968، ربما أقدم، وأزهر عند زيارة السادات إلى القدس، وربما سيثمر بزيارة محمد سعود رطباً جنيا. قالت أخبار إن الإمارات تنوي زرع البلح في المريخ كما زرعت بلحةً في أرض الكنانة، وفي ليبيا بلحة حفتر، وفي اليمن..

والتطبيع بكلمات سهلة غير كلمات المثقفين والعلوم السياسية هو إشعار إسرائيل بأنها في بيتها وشعبها مثل الشعوب العربية. النظم العربية الحاكمة تحتاج إلى جسر التطبيع للعبور إلى الغرب، وإسرائيل بحاجة إلى جسر التطبيع مع وجود الأسوار العازلة والأنفاق المزمع حفرها للتعايش مع العرب في جيتو من الأسوار العازلة والأسلحة النووية، كلفة بناء الجسر ستكون من جيوب العرب ومن دمهم وعقيدتهم. ولن يمشي على الجسر الذي تجري تحته الدماء سوى النخبة الثقافية والفنية والسياسية.

 كان اتحاد الكتاب العرب المؤسسة الأعلى صوتاً في بلاد العرب في مقاومة التطبيع السياسي بأدوات ثقافية، المطبّع الوحيد والجدّ الثقافي لمحمد سعود في اتحاد الكتّاب العرب كان علوياً من الأقليات، لقبه أدونيس (علي أسبر سعيد قبل التطبيع، أو قبل التحديث الأخير)، وقد تضامن مثقفان وقتها من الأقليات المدللة هما سعد الله ونوس وحنا مينة، وزعما أنهما ضد التطبيع، لكنهما متضامنان معه ضد الاتحاد، ذلك هو التفكيك وتلك هي "الفكاكة" باللهجة المصرية. كان صراعاً سياسياً بأدوات ثقافية. وقد نال الثلاثة مزيداً من الشهرة والبطولة، إلى جانب بطولات القلم.

ولم يثبت أن الملك السعودي سحب الجنسية من الصحافي "الشجاع" كما أشيع. وأن زيارة الصحافيين العرب الخمسة الأتقياء للصلاة في القدس في شهر ذي القعدة من كل فج عميق، كان يجري في الوقت الذي تقوم فيه سلطات الاحتلال بتدمير أكثر من مائة منزل عربي في محيط القدس احتفالاً بالزيارة من غير أضاحٍ بشرية والحمد لله.

 كانت الثورة السورية رفضاً للتطبيع مع النظام السوري، الذي حاول الجمع بين الحداثة والمقاومة والممانعة عبر لبس عباءة البعث العربية. ضحّى الشعب السوري بمليون ضحية وبنصف البلاد لينكر التطبيع مع النظام ويثبت حنينه إلى طبعه الأول طبع الأحرار، وقد استطاع النظام بمساعدة روسيا وإيران وصمت دولي أمريكي أوربي تطبيعَ العالم على ما طبّعه عليه منذ نصف قرن، واستطاع تطبيعه أيضاً على مذابح يومية. ومن أشكال التطبيع الحديثة جداً مع النظام زيارة القاصد الرسولي الفاتيكاني إلى القصر الجمهوري الذي قيل إنه جاء ليطلب من الأسد تحييد المدنيين في إدلب وإطلاق سراح المعتقلين، ويظهر الصورة توافقاً بين طبعين، فللفاتيكان الشكر والمنة.

 التطبيع السوري له اسم هو المصالحة الوطنية، في مصر استطاع العسكر ببضعة آلاف من القتلى تطبيع ثورة فريدة مع الفرعونية من جديد، و"إعادة الضبط حسب بيانات المصنع" الفرعوني. في السعودية تجتهد هيئة الترفيه لتطبيع بيئة بدوية قبلية مع الحداثة الغنائية الراقصة، كنا نعاني من المطوّعة فأصحبنا نعاني من المطبّعة. كلام كثير حول تشييع السنّة في سوريا، التشييع من أشكال التطبيع المذهبي المحدثة للعيش بسعادة في دولة الأمن والاستقرار.

أشهر قصة تطبيع معاصرة هي قصة "النمور في اليوم العاشر" لزكريا تامر، ولا تخلو قصة أو رواية من النزوع إلى الطبع والطبيعة ورفض التطبيع. وأشهر قصة غربية عالمية هي قصة "روبنسون كروز" التي جمعت بين الطبيعة والتطبيع، تسبقها رواية سرفانتس "دون كيخوته" التي يحارب فيها عبثاً التطبيع مع العالم المعاصر. قصة "العصفور والسلك" ليوسف ادريس من صفحة واحدة، يسلْح (السلْح هو البصق من الخلف) فيها عصفور يقبّل عصفورته على سلك هاتفي تسري فيه عشرات المكالمات الهاتفية المزدحمة بالكذب والرياء والنفاق.

  في أمثلة التطبيع العالمي: كانت حركة "طالبان" دعوة حرية ويذكّرون بالأمريكيين الأوائل كما قال ريغان ثم صاروا إرهابيين، الدانمارك وجدت أن سوريا صارت آمنة وتحضُّ السوريين على العودة. المانيا حجبت الجواز الرمادي وتحضُّ اللاجئين على استعمال الجواز السوري. تركيا تضيّق على السوريين، لقد حنّ العالم المطبوع بشكل قرد إلى بشار الأسد، قدرته على التطبيع كبيرة جداً.  قام الإعلام بتطبيع شعبان عبد الرحيم حتى صار نجماً مثل أم كلثوم!

الاندماج هو اسم لتطبيع النازحين المغتربين السوريين وهم بالملايين، وما نيل كريم بشار الأسد العلامة التامة في التربية الدينية إلا جائزة ترضية للشعب السوري بأن دينه بخير وطبيعي، مع إن الدين لا يحسب في المجموع العام. كنت أريد أن أختم بالقول: اليمن أولى بالتطبيع من إسرائيل فهي أقرب وأولى، وكنا سنذكر قطر لولا أن الأخوة قد وضعوا ثلاثة عشر شرطاً تعجيزيا أولها الجزيرة.

لقد سلبت الدار والقلب يا نوعم.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب