آخر تحديث:00:15(بيروت)
الخميس 25/07/2019
share

من"يورط"روسيا في الخليج؟

بسام مقداد | الخميس 25/07/2019
شارك المقال :
من"يورط"روسيا في الخليج؟
تبدو روسيا على الهامش في أزمة الخليج الراهنة ، إذ لا أحد "ينتظرنا هناك" ، وليس لموسكو ما تفعله في الخليج ، على قول كبير الباحثين في معهد الإستشراق الروسي فلاديمير ساجين . وجاء كلام المستشرق ، رداً على ما افترضته صحيفة القوميين الروس "SP" من أن الأزمة تمنح روسيا فرصة تحصيل نقاط في السياسة الخارجية ، إذا ما برزت كقوة استقرار في المنطقة . وترى الصحيفة أنه من أجل ذلك ، على موسكو أن تصبح شريكة في التحالف الغربي المدعو لضمان حرية الملاحة في خليج هرمز، ومن شأن تواجد العسكريين الروس في الخليج ، أن يترك تأثيراً مطمئناً على كل من طهران وواشنطن . ولدى روسيا  حجة شرعية للإصرار على مثل هذه المشاركة ، إذ ثمة ثلاثة بحارة روس على متن حاملة النفط البريطانية المحتجزة هناك، والذين لم تسمح السلطات الإيرانية حتى الآن للدبلوماسيين الروس بمقابلتهم، حسب الصحيفة. 

وتستدرك الصحيفة بالقول ، أن هذا الكلام لا يعني أن على روسيا أن تعمد فوراً إلى تبديل نهجها في السياسة الخارجية و"تخون أصدقائها"، بل من المفيد أن تشغل موقعاً نشطاً في مثل هذا الوضع المعقد في الخليج ، و"ان توزع الأقراط على جميع الشقيقات" . 

يرفض ساجين فرضية الصحيفة هذه ، ويقول بأن نفط الخليج ليس روسياً ، بل هو سعودي وكويتي وقطري وإماراتي، وأن هذه الدول لن تقبل بمشاركة روسيا في القيام بدوريات في الخليج . ويقول بأن لدى الأميركيين والإنكليز هناك قواعد جوية وبحرية تسمح لهم بمراقبة شحن النفط، وهذا ما لا يتوفر لروسيا ، التي بوسعها أن ترسل سفينة في زيارة صداقة، لكن ليس للقيام بعمليات عسكرية هناك . كما يرفض حجة وجود بحارة روس على متن الناقلة البريطانية، ويقول بأن ثمة بحارة من بلدان أخرى لا يسمح الإيرانيين لدبلوماسيي بلدانهم بمقابلتهم ايضاً ، "وسوف يطلق سراح الجميع في نهاية المطاف" . 

ورداً على فرضية الصحيفة، بأن البحارة الروس يجب أن يتمتعوا بالأولوية أمام البحارة الآخرين ، يقول ساجين أن البلدان المتحالفة هي تلك التي وقعت في ما بينها الوثائق المناسبة، وهذا ما لم يتم بين روسيا وإيران. أما ما هو متداول في الإعلام من وصف إيران بالحليف ، فهذا "وصف غير رسمي" ، وليس لدى إيران سوى حليف واحد هو "سوريا بشار الأسد"، الذي وقعت معه الوثائق المناسبة. 

وكان ساجين نفسه ، وفي حديث سابق إلى الصحيفة الرسمية للحكومة الروسية "RG" ، قد وصف الوضع في إيران، بأنه "وضع شديد الصعوبة". فإذا كانت إيران ، قبل العقوبات الأميركية العام 2018 ، تصدر 2,5 مليون برميل من النفط يومياً ، فهي  لا تصدر الآن أكثر من 300 ألف برميل ، وبالتالي انخفضت عائداتها ، حسب صندوق النقد الدولي، من 100 مليار إلى 20 مليار دولار ، بل إلى 12 مليار ، حسب تقديرات أخرى ، ومن الواضح أن"هذا غير كاف بالنسبة لإيران" ، حسب ساجين . 

ويقول في صحيفة "SP" المذكورة ، أنه ليس أمام إيران من مخرج من وضعها الصعب سوى المفاوضات ، وهي أخطأت بحطف الناقلة البريطانية ، إذ رفعت السقف كثيراً ، مما جعل بريطانيا نفسها وألمانيا وفرنسا تتراجع عن موقفها السابق في الدفاع عن إيران ضد العقوبات الأميركية . بل إن هذه الدول الثلاث قد تلجأ هي نفسها إلى فرض عقوبات على إيران، مما يهدد بأن يصبح الأمر "كارثة للإقتصاد الإيراني"، على قول الرجل. وهو لا يستبعد بأن يكون الوضع الداخلي في إيران هو السبب في إقدام إيران على تلك الخطوة ، التي أرادت من خلالها إظهار قادة النظام ، بأنهم أصحاب نفوس أبية لا تقبل الخضوع ، ولن يتركوا أعمال الإنكليز المعادية تمر دون رد عليها. 

وتنقل الصحيفة نفسها أيضاً عن خبير روسي آخر رفضه القاطع لفرضية الصحيفة ، بأن روسيا قد تجني مكاسب سياسية خارجية ، إذا انضمت إلى الولايات المتحدة ضد إيران. ويقول هذا الخبير أن الولايات المتحدة ليست بحاجة لروسيا ، بل كل ما تحتاج إليه هو تبرير ضغوطها على إيران ، وجعلها تبدو مشروعة من خلال ضم الآخرين إليها. وهو يرى أن اية عملية مفاوضات تؤدي إلى استقرار الوضع في الخليج ، ليست لصالح الولايات المتحدة ، وبالتالي فإن أية مفاوضات لن تكون إلا بالشروط الأميركية . 

وكانت صحيفة القوميين الروس هذه ، هي الموقع الوحيد ، الذي خرج في 23 من الجاري بالفرضية المذكورة، التي تقول بأن "الولايات المتحدة تنتظر أن تقف موسكو ضد إيران "، وأن انضمام روسيا إلى التحالف ضد إيران يمنحها فرصة كسب نقاط في السياسة الخارجية. أما المواقع الروسية الأخرى فقد انهمكت في الرد على ما جاء في صحيفة "Sunday Mirror" السبت المنصرم ، من أن جهاز المخابرات البريطانية MI-6 يحقق في احتمال ما إذا كانت روسيا على علاقة باحتجاز إيران لحاملة النفط البريطانية. وتقول الصحيفة الإنكليزية أن السفينة البريطانية تواجدت في المياه الإقليمية الإيرانية بسبب الإحداثيات المغلوطة لجهاز الملاحة GPS ، التي قد تكون أرسلتها المخابرات الإيرانية بمساعدة "تقنيات التجسس الروسية" . 

في معرض ردها على ما جاء في الصحيفة البريطانية ، قالت صحيفة الكرملين "VZ" في مقالة بعنوان "يحاولون توريط روسيا في حرب الناقلات" ، بأنه ليس من الواضح حتى الآن مدى جدية الحكومة البريطانية في دراسة "الأثر الروسي" في قصة الحاملة البريطانية، وما إذا كانت بريطانيا ستلجأ لفرض عقوبات جديدة على موسكو. وذكرت الصحيفة ، بأنها ليست المرة الأولى ، التي تُتهم فيها روسيا في "اختراق نظام GPS"، وعددت الإتهامات السابقة من قبل فنلندا والنروج، وقالت بأن آخرها كان من قبل إسرائيل وقبرص في حزيران/يونيو الماضي، حين اختل العمل في مطاري بن غوريون ولارنكا. 

ونقلت الصحيفة عن عضو لجنة مجلس الإتحاد الروسي للعلاقات الدولية أوليغ ماروزوف قوله ، بأن الإتهامات الموجهة إلى روسيا هي "هذيان" يحتاجونه فقط من أجل تعزيز الوجود العسكري البريطاني والأميركي في الخليج . وتساءل السيناتور الروسي عن حاجة روسيا لخلق توتر مصطنع في هذه المنطقة من العالم، وقال أن "الهذيان" الجديد  بشأن التهديد الروسي يأتي ضمن الإستراتيجية المعاصرة لما يسميه "الغرب الجماعي" . 

وتنقل الصحيفة عن مدير مركز ابحاث روسي قوله بأن النزاع في الخليج ليس مفيداً لمصالح روسيا لا سياسياً ولا إقتصادياً ، وأن على موسكو أن تلعب دور المصلح قبل أن يتحول الصراع إلى حرب شاملة . ويقول هذا الخبير، بأنه سيكون من الممتاز لو أمكن التغلب على النزاع بالجهود الروسية واعترف المجتمع الدولي بذلك، سيما أن لدى روسيا خبرة ممتازة في تحقيق المصالحات والسلام ، من كوريا الشمالية إلى برنامج إيران النووي ، وأوكرانيا جزئياً ،  إلى ...سوريا .  

يقال أن صغير الثعلب سأل والده يوماً:" لماذا نحن ملاحقون دوماً من أهل القرية ؟" ، فأجابه الثعلب :" لأنهم يعرفوننا جيداً " . 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب