آخر تحديث:10:09(بيروت)
الأحد 21/07/2019
share

ترامب..مشعل الحرائق

لوري كينغ | الأحد 21/07/2019
شارك المقال :
ترامب..مشعل الحرائق Getty ©
بصفتي علمانية وأستاذة من حقبة ما بعد الحداثة، ليس من المفترض أن أستخدم كلمة "شر". إنها تبدو "ميلودرامية" تماماً وتستحضر عالماً مؤطراً بالعقيدة اللاهوتية، حيث توجد رواية رئيسية شاملة -حقيقة مطلقة- بدلاً من العديد من الحقائق المتنافسة المتجذرة في تاريخ سياسي واقتصادي مختلف. 
ولكن في ضوء كلام دونالد ترامب الأخير، لا توجد كلمة أخرى تصف بدقة ما يواجهنا في الولايات المتحدة الآن. الأمر لا يقتصر على ما يقوله الرئيس ترامب وما يفعله، كما أنه ليس مجرد سياسات حقيرة تشرف عليها إدارته. بالطبع، لا يحب ترامب الأشخاص الذين ليسوا بيضاً، أو النساء اللواتي يتحدثن، أو الصحافيين الذين يطرحون الأسئلة، أو أعضاء مجلس الوزراء الذين يتعارضون معه. نحن نعرف كل هذا بالفعل، تماماً كما نعرف أنه نرجسي وكاذب ومفترس جنسي وعنصري ودجال.
يكمن شر هذه الإدارة في قدرة ترامب واستعداده لإشعال النار في البلاد من خلال رفع قاعدته والاستيلاء على وسائل التواصل الحديثة يوماً بعد يوم مع إهانات حارقة. هو يحاول تحقيق النصر في انتخابات عام 2020 من خلال إثارة الغضب العام والكراهية واليأس، وهو ذكي بما فيه الكفاية للعب دور الضحية، وليس المحرض، في هذا الخطاب الخطير. 
قام ترامب بصفته "مشعل الحرائق" بإشعال نار الانتخابات الرئاسية لعام 2020، أي قبل عام كامل من إعلان المؤتمر الديموقراطي مرشحه. لقد وضع إصبعه على الخلافات والتناقضات داخل الحزب الديموقراطي، وحرّض بحكمة أعضاء تقدميين جدد في الكونغرس (جميعهم من النساء والأقليات) ضد رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي. إن تسليح الانقسامات الداخلية بين الديموقراطيين مع إثارة الكراهية العنصرية هي أيضاً استراتيجية رابحة لترامب: لقد حولت وسائل الإعلام الرئيسية تركيزها من الكارثة الإنسانية على الحدود الجنوبية لأميركا إلى التوترات المتزايدة بين بيلوسي والنواب التقدميين الجدد ألكسندرا أوكاسيو كورتيز من نيويورك، أيانا بريسلي من ماساتشوستس، رشيدة طليب من ميشيغان، وإلهان عمر من مينيسوتا (وهم المجموعة المعروفة الآن باسم "سكواد"او "الفصيلة").
في 14 تموز/يوليو، أطلق ترامب سلسلة من التغريدات تشوّه "الفصيلة" عقب تعليقاتهن حول المعاملة الرهيبة لطالبي اللجوء على الحدود الجنوبية، والتي ترددت عبر وسائل الإعلام والمشهد السياسي لبقية الأسبوع:
"من المثير للاهتمام أن نرى نساء الكونغرس الديموقراطيات التقدميات، اللائي جئن أصلاً من بلدان تعتبر حكوماتها كارثة كاملة وشاملة، الأسوأ والأكثر فساداً وغير الكفؤة في أي مكان في العالم (إذا كانت لديهن حكومة أصلا)، الآن بصوت عالٍ يخبرن شعب الولايات المتحدة، أعظم وأقوى أمة على وجه الأرض، كيف ندير حكومتنا. لماذا لا يعودون ويساعدون في إصلاح الأماكن المليئة بالجريمة التي أتوا منها. ثم عودوا لتوضح لنا كيف يتم ذلك. تحتاج هذه الأماكن إلى مساعدتكم بشدة، ولا يمكنكم تركها بسرعة. أنا متأكد من أن نانسي بيلوسي ستكون سعيدة للغاية لوضع ترتيبات السفر المجانية بسرعة!
بـ121 كلمة فقط، فاقم ترامب الخلاف داخل الحزب الديموقراطي، ونبّه مؤيديه من ذوي الأصول البيضاء إلى بدء الهجوم، ووسم أربعة من أعضاء الكونغرس المنتخبين بأنهم مدمرون خطرون يستحقون الطرد من الولايات المتحدة. على الرغم من أن عواصف تغريدة ترامب قد أصبحت للأسف سمة يومية للحياة في أميركا، إلا أن هذه المجموعة من التغريدات كانت تحمل تعبيراً مشؤوماً وشنيعاً بشكل خاص، تذكرنا بشعار الجناح اليميني في أواخر الستينيات: "أميركا: أحبها أو اتركها". 
وضع ترامب نفسه على أنه تجسيد لكل شيء أميركي حقاً، وقال إن النائبات الأربع جئن من "أماكن محطمة ومليئة بالجريمة" خارج أميركا، وقد اتخذ ترامب خطوة حاسمة نحو إضفاء الشرعية على الخطاب الفاشي. أشار بعض النقاد إلى أن "كو كلوكس كلان" اعتادت وضع لوحات إعلانية تقول "الدخول إلى بلد كلان: أحبها أو اتركها!"، وكانت هذه العاصفة على تويتر أكثر قبحاً من وصف ترامب قبل عامين الدول الإفريقية والعربية على أنها حفر الهراء"shithole"، وهو ما يشير إلى أنه في عقل ترامب أميركا: بيضاء، مسيحية، جمهورية ورأسمالية؛ وكل شيء خطير وسيء هو العكس تماماً. إن الطعن العرقي وإثارة جمر حرب أهلية محتملة هي الآن الأساسات لحملة إعادة انتخاب ترامب لعام 2020، كما أن ندرة الردود من السياسيين الجمهوريين تبعث برسالة لا لبس فيها مفادها أن الخطاب العام سوف يغرق حتى في المجاري فيما السباق الرئاسي يستعر. الكلمة الوحيدة لهذا هي الشر.
للأسف ، دخلت المؤسسة الديمقراطية في الكابيتول هيل في رد الفعل، وليس الفعل، استجابة لترامب. حرصاً منها على القفز عن خطوط الصدع المتزايدة للحزب، قدمت بيلوسي قراراً في مجلس النواب يدين تغريدة ترامب العنصرية. لكن وفقاً لقواعد مجلس النواب، لا يُسمح للنواب بالمشاركة في الهجمات الشخصية، كما أن وصف ترامب بأنه "عنصري" يتعارض مع اللياقة والتقاليد.
النائب الجمهوري عن جورجيا دوغ كولينز قدم اقتراحاً إجرائياً نادراً دعا إلى شطب تعليقات بيلوسي. بعد ساعة من الجدل حول ما إذا كان ينبغي قبول وصف بيلوسي لترامب بأنه "عنصري"، أعلن النائب الديموقراطي إيمانويل كليفر الثاني من ميسوري، الذي كان يترأس الجلسة، أنه يتخلى عن ترؤس الجلسة وانسحب، وأعرب عن الاشمئزاز من المواقف، لا سيما موقف الجمهوريين.
في نهاية الجلسة الفوضوية غير المعتادة، صوت مجلس النواب بتأييد أغلبية 240 صوتاً مقابل 187 للإدانة القوية للتعليقات العنصرية التي أبداها ترامب والتي شرعت وزادت من الخوف والكراهية من الأميركيين الجدد والأشخاص الملونين بالإيحاء بأنه يجب على الأميركيين المهاجرين، والذين قد يعتبرهم الرئيس "مهاجرين"، العودة إلى بلدانهم. انضم فقط ثلاثة أعضاء جمهوريين في مجلس النواب ومستقل واحد إلى الأعضاء الديموقراطيين في دعم القرار، الذي لا يتمتع بأي قوة قانونية على الإطلاق.
ما قاله ترامب في عاصفته على تويتر لم يكن عنصرياً فحسب، بل كان زائفاً بشكل قاطع. ثلاثة من النائبات التقدميات الأربع هن مواطنات أميركيات من مواليد الولايات المتحدة، وواحدة (إلهان عمر) مواطنة أميركية الجنسية. من خلال اختيار نائباتنا الأربع، وجميعهن من غير البيض، واثنتان من المسلمات، باعتبارهن "غير أميركيات"، عرف ترامب أن أبشع مؤيديه سوف يلاقونه هناك ويتابعون حملته القاسية من أجله. مهدت تغريدته المسرح لما تلى مساء ذلك الأربعاء حيث كان ترامب ضمن حملته الانتخابية في ولاية كارولينا الشمالية. بعد الإدلاء مزيد من التعليقات الخاطئة والحارقة التي تتهم عمر بمعاداة السامية ودعم تنظيم القاعدة، هتف الجمهور لترامب بجنون: "أرسلها مرة أخرى!"، داعياً إلى ترحيل النائب عمر مثل المهاجرين غير الشرعيين.
بحلول نهاية الأسبوع، كان من الواضح أن النائب عمر أصبحت الآن محور التركيز الرئيسي لإهانات ترامب واتهاماته. كان السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام من ساوث كارولينا يتلألأ خلال مقابلة تلفزيونية، وكان وجهه يشوبه الغضب عندما وصف "الفصيلة" بالشيوعيين وخصّ بالوصف إلهان عمر لكونها "معادية لإسرائيل". إذاً، عنصر جديد من الخطاب الفاشي والنازي ظهر: الأميركيون الحقيقيون لا يجرؤون على انتقاد إسرائيل. من الواضح أن هذه إشارة إلى قاعدة ترامب الإنجيلية البيضاء من مؤيدي المسيحية الصهيونية، الذين يتداخل الكثير منهم مع المتعصبين البيض الذين خرجوا في شارلوتسفيل بولاية فرجينيا قبل حوالي عامين. لم يقم ترامب أبداً بإدانة كلمات وأفعال هؤلاء الأميركيين العنيفة، وبالتأكيد لا يشكك في هويتهم الأميركية.
أميركا ترامب هي أميركا بيضاء ومسيحية تنحني أمام الشركات المصنعة للبنادق، وجشع الشركات، وصناعة الوقود الأحفوري، واللوبي المؤيد لإسرائيل. في الوقت الحالي، يبدو أن المؤسسة الديموقراطية التقليدية غير راغبة في قلب هذه الدوائر الانتخابية، وقد تخاطر برؤية أحدها يتعرض للهجمات أو حتى القتل على أيدي "أميركيي ترامب الحقيقيين". سيكون الوضع خطيراً أن تكون مسلماً أو أبيضاً أو تقدمياً في الولايات المتحدة طالما أن الحزب الجمهوري يرفض السيطرة على المغرد المجنون ومشعل الحرائق.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

لوري كينغ

لوري كينغ

أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة جورج تاون، واشنطن zinjabeela@gmail.com

مقالات أخرى للكاتب