آخر تحديث:10:23(بيروت)
الأحد 21/07/2019
share

إيران:نصر تكتيكي وخسارة إستراتيجية

حسن فحص | الأحد 21/07/2019
شارك المقال :
لا يمكن العبور سريعا على كلام وزير الخارجية الايرانية محمد جواد ظريف من نيويورك، خصوصا ما يتعلق بالنقطة التي تشكل محور القلق الايراني من مستقبل الصراع مع الولايات المتحدة ومعها دول المنطقة وتحديدا الدول الخليجية، التي تتمحور حول المنظومة الامنية التي من المفترض ان تتولى امن المنطقة وامدادات الطاقة من مضيق هرمز وصولا الى مضيق باب المندب. 

ظريف وقبيل مغادرته نيويورك باتجاه فنزويلا، أكد في مقابلة مع راديو اميركا الوطني (NPR) ان بلاده "هي الاقوى في تلك المنطقة (الخليج) ولديها حدود مائية مع الخليج بطول 1500 ميل، ومن دوننا (ايران) لن يكون هناك امن في المنطقة"، اي انه وضع الاصبع على الجرح والوجع الايراني الذي يشكل مصدر القلق الاساس للنظام في طهران من مآلات ما تشهده مياه الخليج والمعابر المائية في المنطقة، خصوصا بعد وصول درجة التصعيد الذي يستهدف عبور ناقلات النفط والسفن التجارية من ممر مضيق هرمز اعلى مستوياته التي يشهدها منذ انتهاء حرب الناقلات عام 1988.

وعلى الرغم من استبعاد طرفي الازمة – واشنطن وطهران- اشتعال الحرب بينهما، الا ان مخاوف رئيس الدبلوماسية الايرانية تتخطى نتائج العمل العسكري الذي قد تقوم به واشنطن على مستقبل ايران، وتصل الى حد الاحساس بالخسارة القادمة جراء الخطوات التصعيدية التي تقوم بها المؤسسة العسكرية الايرانية في مياه الخليج والارباك الذي تسبب به لخطوط امدادات الطاقة وعبور ناقلات النفط والسفن التجارية من مضيق هرمز، وليس اخرها توقيف ناقلة النفط البريطانية واقتيادها الى بندر عباس الذي يضم اكبر قاعدة بحرية تابعة للقوات البحرية في حرس الثورة الاسلامية. 

واذا ما كانت عملية احتجاز الناقلة البريطانية تأتي ردا على الاجراء الذي قامت به لندن في مضيق جبل طارق وتوقيف الناقلة الايرانية المتجهة الى سوريا، الا ان هذا الاجراء يأتي تنفيذا لمنويات ومواقف المرشد الاعلى للنظام والثورة الذي اكد قبل ايام وبعد توقيف الناقلة الايرانية ان بريطانيا "ستدفع ثمن اعمال القرصنة التي قامت بها"، يعني العودة الى اتباع مبدأ العين بالعين. وما قامت به القوات البحرية لحرس الثورة يصب في اطار تنفيذ اوامر المرشد الاعلى من دون التوقف عند التداعيات السلبية لهذا الاجراء ودون الاخذ بالاعتبار النتائج بعيدة المدى والاكتفاء بالنتائج المباشرة التي لا تتعدى محاولة اثبات قدرة هذه القوات على تنفيذ مخططات امنية تهدف لاثبات تفوقها في المنطقة وسرعتها في التحرك، من دون التفكير في النتائج بعيدة المدى وما قد تحمله من اثار سلبية على الرؤية الاستراتيجية التي تعمل ايران على تحقيقها وترسيخها في المنطقة ومع المجتمع الدولي. 

الخطوة الايرانية التصعيدية تدفع الى الاعتقاد بجدية الصراع داخل النظام واحتدامه، بين جناح متشدد يسعى لتثبيت صوابية مواقفه الرافضة للاتفاق النووي وفشل الاعتماد على الدبلوماسية في الحوار والتفاهم مع المجتمع الدولي لحل المشاكل المزمنة بين طهران والعواصم الدولية، وهو الجناح الذي يعتقد بان الاجراءات الايرانية في تقليص التزاماتها ببنود الاتفاق النووي غير كافية وعلى الحكومة والنظام الذهاب الى خيار الانسحاب من هذا الاتفاق والعودة الى المرحلة السابقة له. وبين مروحة واسعة من القوى الايرانية تضم شريحة واسعة من التيار المحافظ ومعهم التيار الاصلاحي والقوى المعتدلة، وتتبنى سياسة الحوار وتفكيك الالغام التي تحاول واشنطن زرعها على طريق التوصل الى حلول تساعد في العودة الى تطبيق الاتفاق النووي من دون تسجيل خسارة لاي من الاطراف، مدعومة بالجهود التي تبذلها حكومة حسن روحاني للتوفيق بين محددات الكرامة الوطنية والمصالح الاستراتيجية والقومية، اي رفض العقوبات الاميركية والاستعداد للتفاوض بعيدا عن "الارهاب الاقتصادي" الذي تمارسه واشنطن.

عودة وزير الخارجية ظريف للتأكيد على دور بلاده المحوري في اي منظومة امنية في منطقة الخليج وعدم امكانية استبعادها من اي حسابات في هذا الاطار، تأتي بعد الخطوات التي بدأ مبعوث الرئيس الاميركي للازمة الايرانية براين هوك القيام بها من اجل التوصل الى منظومة دولية تتولى مهمة توفير الامن لامدادات الطاقة والتجارة في مياه الخليج وبحر العرب ومعبري هرمز وباب المندب تشارك فيها واشنطن التي بدأت اتصالاتها مع دول حلف شمالي الاطلسي ودول اخرى معنية بأمن هذه المناطق وتأمين مصالحها الاستراتيجية فيها، وهي اتصالات شملت حتى الان 65 دولة ودعوتها لعقد مؤتمر سارعت مملكة البحرين لاعلان استعدادها لاستضافته خلال الاسابيع المقبلة.

الخطوة الامنية التي تسعى واشنطن لترجمتها، تهدف الى انشاء منظومة امنية تستبعد الدور الايراني وتعمل على تحويل النظام في طهران الى مصدر تهديد لهذه المعابر الاستراتيجية، وفي حال نجحت الجهود الاميركية في تشكيل وانشاء هذه المنظومة الدولية، فانها تكون قد استطاعت جمع حشد دولي لمواجهة الخطر الايراني الذي يهدد امن الطاقة التي تحتاجها هذه الدول، وتكون بذلك قد دفعت هذه الدول الى موقع المواجهة المباشرة مع ايران، لا تكون فيها وحيدة، وتبعد عن كاهلها عبء التصدي لهذه المهمة وما فيها من اكلاف مالية وعسكرية ولوجستية لا تريدها. 

الجهود الاميركية بدأت بعد احداث الاعتداء على الناقلات في ميناء الفجيرة واستهداف الناقلة اليابانية بعدها خارج المياه الاقليمية الايرانية، وتسارع هذه الجهود والاجتماعات التي عقدها براين هوك لتفعيل وترجمة هذه الجهود، استفز النظام الايراني والمؤسسة العسكرية التي رفعت من مستوى نشاطاتها العسكرية في مياه الخليج وعلى مداخل مصيق هرمز، في محاولة لايصال رسالة بأنها (اي ايران) قادرة على فرض سيطرتها على هذه المنطقة وعرقلة اي عمليات تجارية وعسكرية من والى مياه الخليج، ومن الصعب استبعادها من اي منظومة امنية للمنطقة، لان انعكاساتها ستكون على حساب استقرار وامن هذه الطرق البحرية. كما أن سكوت طهران عن هذه الجهود يعني انها ستفقد قدرتها ودورها في ادارة هذه الممرات انطلاقا من حقائق الجغرافيا التي تمنحها هذا الدور. من هنا يمكن القول ان استفزاز ايران وتهديد دورها وصل ذروته مع توقيف الناقلة البريطانية، الذي يأتي ترجمة لغلبة التيار المتشدد الذي يرغب في دفع التصعيد الى اعلى مستوياته والذي كما يبدو انه سيدفع لندن لاعادة النظر في تعاملاتها مع ايران والذهاب باتجاه فرض عقوبات على طهران، اي الانتقال الى الجانب الاميركي والخروج من الجهود والمساعي التي تبذلها الترويكا الاوروبية لايجاد حلول ومخارج لهذه الازمة من خلال المبادرة التي يعمل عليها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، وبالتالي تضييق الخيارات امام حكومة روحاني ودفعها لتنبي قرار الانسحاب من الاتفاق النووي بغض النظر عن العواقب الصعبة التي ستنتج عن ذلك ويحذر منها روحاني وفريقه. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها