آخر تحديث:06:56(بيروت)
الخميس 18/07/2019
share

صواريخ بوتين وإردوغان

بسام مقداد | الخميس 18/07/2019
شارك المقال :
صواريخ بوتين وإردوغان
الأصوات الأميركية المنتقدة لصفقة الصواريخ الروسية التركية ، دفعت روسيا للتعجيل في تسليم هذه الصواريخ ، واختارت النقل الجوي بدل البحري لتسريع عملية التسليم ، على الرغم من الفارق الكبير في التكاليف. ولا تخفي هذه العجلة خشية روسية من أن تفعل الأصوات الأميركية فعلها ، ويرضخ الجانب التركي لتهديد الكونغرس الأميركي بفرض العقوبات عليه للتخلي عن هذه "الشراكة الخطرة مع بوتين". ولم يقتصر الرد الروسي على هذه الأصوات بالتعجيل بعملية التسليم وحسب، بل وبمواصلة الحديث عن مزايا هذه الصفقة و"مكاسبها الجيوسياسية" للطرفين معاً . 

فقد نقلت صحيفة الكرملين "vz" في 16 من تموز يوليو الجاري عن صحافي تركي قوله ، بأن اختيار يوم 12 تموز/يوليو لبدء عملية التسليم  لم يكن مصادفة ، بل اختاره الروس عمداً لتطابقه مع تاريخ توقيع اتفاقية التعاون بين تركيا والولايات المتحدة في العام 1947. ويفترض هذا الصحافي ، أن قرار شراء صواريخ S-400 لا يقل أهمية عن قرار تركيا في مطلع القرن العشرين الإنضمام إلى التحالف بزعامة ألمانيا، أو اختيارها بعد الحرب العالمية الثانية الإنضمام إلى الغرب بزعامة الولايات المتحدة . ويعتبر أن عدم رضوخ تركيا للضغوط الأميركية المكشوفة يتخطى بأهميته الإطار العسكري، ليشكل انعطافة جيوسياسية. ويستدرك بأن من الخطأ النظر إلى هذه الإنعطافة بأنها انعطافة نحو التحالف مع روسيا ، إلا أنها تشير إلى اكتساب تركيا لسيادتها الكاملة ، وهو ما دفع أردوغان لوصف الصفقة بأنها "الأهم في تاريخ البلاد" . 

لكن هذا الكلام  التركي حول الصفقة لا يعني أن تركيا تنوي الخروج من الناتو، ولا الناتو يسمح لنفسه الإفتراق عن تركيا، بل هم لا يستطيعون شيئاً معها، حسب الصحيفة الروسية. فمن غير المجدي الضغط عليها، بل قد يؤدي ذلك إلى دفع تركيا للخروج من التنظيم العسكري للناتو، كما فعلت فرنسا في يوم من الأيام. وذهبت عبثاً جميع المحاولات الأميركية في الأيام الأخيرة لإجبار تركيا بالقوة على التخلي عن صفقة الصواريخ مع روسيا، وذلك لأن المسألة بالنسبة لأردوغان، ليست صفقة صواريخ ، بقدر ما هي خيار جيوسياسي لبلده، حسب صحيفة الكرملين. ولهذا سوف تكون أميركا أكثر عقلانية في التعامل مع ما حدث ، فالإضرار بسمعتها ووحدة الناتو قد وقع، ومحاولات الإنتقام من تركيا قد تفضي إلى أضرار لا يمكن تعويضها، سواء بالنسبة لحلف الأطلسي ، أو بالنسبة لأميركا نفسها . 

وتتوقع الصحيفة أن تبقى التهديدات مجرد تهديدات، لا ينفذ منها شيئ في الواقع ، وإن كانت سوف تستمر مطالبة تركيا بتحديد موقعها ، والإعتراف بالنتائج المترتبة على الصفقة . وسوف تترافق هذه المطالبات في الواقع مع وقف الخطاب المتشنج حيال تركيا ، كي لا تتم "خسارتها نهائياً" . 

وترى الصحيفة أن جميع التناقضات الأميركية التركية السياسية والمالية والإقليمية هي نتيجة افتراق في المصالح بين البلدين. فقد حاولت تركيا في السابق الجلوس على مقعدين ، بأن تكون جزءاً من العالم الأطلسي، وأن تكون، في الوقت عينه، زعيماً في العالم الإسلامي ، الذي يشكل هدفاً لتوسع الغرب وهيمنته. لكن هذا الوضع لم يكن ليستمر طويلاً ، ولا يريد أردوغان استبداله بالتخلي عن التعاون مع الغرب ، وجعل تركيا دولة معادية للغرب ، بل هو يريد إضعاف هذه العلاقة والتقرب من روسيا ، والإحتفاظ بالطموح للزعامة في العالم الإسلامي. وهذه ليست مقاعد ثلاثة ، بل هي رغبة في جعل تركيا لاعباً عالمياً بامتياز ، ودولة عظمى من دول القرن الحادي والعشرين تشارك في عملية صياغة المعايير الجديدة للنظام العالمي. وتركيا القوية والمستقلة والصديقة هي لصالح روسيا، حتى لو بقيت شكلياً في الناتو. فتركيا هذه لن يستطيع الناتو التحكم بها، وسوف تتمكن روسيا من إقامة العديد من المشاريع المفيدة للطرفين معها، وليس المشاريع الإقتصادية فقط، بل والمشاريع الجيوسياسية طويلة الأمد، ولذا فإن صفقة صواريخ S -400 هي بالفعل "حدث تاريخي" ، حسب صحيفة الكرملين . 

أما صحيفة "NG"، التي تصف نفسها بالمستقلة ، فتقول بأن ترامب لن يخاطر ويفرض على أردوغان تدابير صارمة ، وترى بأن أنقرة قد تشتري من الأميركيين منظومات صواريخ باتريوت . وتنقل عن Bloomberg قولها ، بأن العقوبات سوف تفرض في الأيام القريبة القادمة ، لكن لن يتم الإعلان عنها في الذكرى السنوية لمحاولة الإنقلاب التركي العام 2016 ، وهي لا تزال مجهولة المضمون ، لكنها "لن تكون واسعة النطاق" .

وتنقل الصحيفة عن خبير عسكري روسي اعتقاده ، أن أنقرة وواشنطن قد توصلتا إلى توافق ما بشأن صفقة صواريخ S -400 . ويرى هذا الخبير أن واشنطن قد أعطت موافقتها على العملية العسكرية التركية "المخلب – 2" في شمال العراق ضد التشكيلات الكردية المسلحة وحزب العمال الكردستاني. ويقول أن الولايات المتحدة تستمر في محاولة إقناع أردوغان التخلي عن مخططات الإستيلاء على منبج وسواها من الأراضي شمال سوريا ، التي يعيش فيها الأكراد وتتمركز فيها قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة . ومثل هذا الوضع ينبغي أن يستمر بعد الإنسحاب الكامل للقوات الأميركية من هناك، وعلى تركيا أن توافق على ذلك مقابل أن يغض ترامب الطرف عن صفقة الصواريخ الروسية . 

أما صحيفة القوميين الروس "SP" فلا تنفي إمكانية التوافق بين إردوغان وترامب بشأن صفقة الصواريخ ، إلا أنها ترى بأن هذا التوافق قد يكون لغير صالح روسيا . فهي تتخوف من أن يصل التقنيون الأميركيون إلى هذه الصواريخ بعد وصولها إلى تركيا ، مما يعرض القدرات الدفاعية الروسية للخطر، برأيها. لكن الخبير العسكري الروسي ، الذي تستثيره الصحيفة بشأن "مخاطر صفقة الصواريخ على روسيا" ، يؤكد أن مثل هذه المخاوف مبالغ بها ، وأن من المستبعد أن يرتكب أردوغان مثل هذه "السفالة" . وهو يرى أن أردوغان، وعلى الرغم من كل تناقضاته، إلا أنه كان وفياً لشروط الصفقة مع روسيا . وحتى لو تمكن الأميركيون من الوصول إلى هذه المنظومة ، فلن يحصلوا على أية نتيجة . ويسترسل هذا الخبير في الحديث عن المواصفات التقنية لمنظومة الصواريخ تلك ، ويجزم بأنه لا يكفي وجود عبقرية تقنية حتى يتم التوصل إلى كنه عمل هذه المنظومات ، وبالتالي لا خطر على منظومة الدفاع الروسية ، حتى لو وصل الأميركيون  إلى الصواريخ "التركية" تلك . 

وفي إطار الإشادة الروسية بمنظومة صواريخ S -400 تلك ، كانت صحيفة الكرملين المذكورة قد رأت في اليوم الذي بدأ تسليمها للأتراك، أن هذه المنظومة سوف تساعد تركيا على استخراج الغاز من شرق المتوسط . ونقلت الصحيفة عن عسكريين أتراك قولهم بأن إحدى بطاريات هذه المنظومة سوف تنصب في مقاطعة مرسين جنوب شرق تركيا ، مما يعني أنها تغطي قبرص أيضا في محيط عملها ، وهذا يشير إلى أن أردوغان قرر استخدام المنظومة "حجة جدية" في النزاع القائم الآن حول استثمار موارد هذه الجزيرة. 

وتذكر الصحيفة بالإشادة التركية باختيار روسيا لتاريخ تسليم المنظومة لتركيا وتطابقه مع تاريخ توقيع معاهدة التعاون بين تركيا والولايات المتحدة العام 1947 ، وتنقل عن الأتراك قولهم ، بأنه إذا لم يكن اختيار يوم التسليم مجرد صدفة ، فعلى الأتراك أن يقولوا للروس "برافو" ، وأن ينحنوا احتراماً لهذا القرار.  


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب