آخر تحديث:12:29(بيروت)
الثلاثاء 16/07/2019
share

حرب على الصواب السياسي

شادي لويس | الثلاثاء 16/07/2019
شارك المقال :
حرب على الصواب السياسي من التظاهرات التونسية في اليوم العالمي للمرأة 2018 (غيتي)
تتخصص مواقع إلكترونية بالعربية، في الترويج لخطاب يمكن توصيفه بشكل فضفاض بالصوابية السياسية، وتركز مقالات كتّابها على موضوعات الأقليات والنساء وذوي الهويات الجنسية المغايرة، أو ما يمكن وضعه تحت مظلة أوسع هي سياسات الهوية. وبلا شك، فإن المسائل التي تناقشها تلك المواقع وكتّابها، أو على الأقل عناوينها الرئيسية، هي شديدة الإلحاح في منطقتنا، ووثيقة الصلة بواقعه اليومي. إلا أن المحتوى المنشور يظهر في أحيان كثيرة كتكرار لمجموعة من القوالب الجاهزة المفتقدة للحس النقدي، وفي أحيان أخرى يعتمد على معالجات سطحية لها نغمة تربوية ووصائية، تكتفي باستنساخ الخطابات الغربية الأم كما هي، بل وأحياناً تبدو النصوص العربية وكأنها ترجمة مباشرة لمقالات بلغات أوروبية.

ولا يفترض بالضرورة أن الاعتماد على أدبيات غربية عيب في حد ذاته، إلا أن ما يظهر هزلياً هو المفارقات الفادحة بين الوضع القائم في المجتمعات العربية، وبين الكثير مما يكتب عن قضايا الهوية والأقليات. فعلى سبيل المثال، بينما تتعرض الغالبية الكاسحة من النساء في مصر لتشويه أعضائهن التناسلية في طفولتهن وبتر أجزاء منها، وتظل الممارسات المثلية مجرَّمة قانوناً في معظم البلاد العربية، فإن الإسهاب في الجدالات حول الفروق الاصطلاحية الدقيقة بين الهويات الجنسية والميول الجنسية وتصنيفاتها، يبدو مهيناً ومفتعلاً، والأهم منفصلاً بشكل كبير عن الحياة اليومية.

في الجانب الآخر، لا تعدم سياسات الهوية وصوابيتها السياسية، الخصوم. فالأنظمة الحاكمة في المنطقة، تعادي في معظمها الخطاب الحقوقي إجمالاً، إما بشكل قانوني ومباشر، أو ضمناً عبر ممارسات مؤسسات السلطة اليومية. فالسلطة، مع قاعدة اجتماعية محافظة وحركات إسلامية سياسية ذات نفوذ واسع ومفكرين ذوي ميول إسلامية وقومية، ومعهم وجوه أكاديمية ما بعد كولونيالية، جميعهم يتوحدون في نقد ما يرونه خطاباً استعمارياً أو تغريبياً مفروضاً من أعلى، ولا بد من مقاومته. واللافت للانتباه، هو التلاقح النظري لقطاعات من اليمين وقطاعات من اليسار، في نقد سياسات الهوية. فثمة مفكرين إسلاميين لا يجدون غضاضة في استخدام مزيج من مقولات فوكوية (نسبة لميشال فوكو)، وخطابات اليمين المسيحي الأميركي، مع نقد ماركسي للتفريق بين اليسار الهوياتي واليسار الطبقي، من أجل نقد سياسات الهوية. وبكل أريحية، ينزلق قطاع من اليسار لتبني خطابات ذكورية وشوفينية للغرض نفسه.

إلا أن الأكثر حماسة في نقد الصوابية السياسية، هي شريحة تنطلق من دفوع "تحريرية". فبالنسبة إليهم، يُفرض خطاب سياسات الهوية، من أعلى، من قِبل نخب مرتبطة بالغرب تمارس القمع الثقافي على غالبية المجتمع، وتساهم حركة مثل "مي تو" في ردة محافظة أخلاقية عبر حملات "صيد الساحرات". أما الصواب السياسي، فيُنتقد لأنه يفرض قيوداً على حرية التعبير والنقاش العام ويصنع ضحايا من الأقليات، وينزع عنهم شعورهم بالمسؤولية وقدرتهم على الفعل، ويفسد -عبر التمييز الإيجابي- فرصَ المنافسة العادلة للجميع وقواعد المساواة، ويحابي أفراداً من منزوعي الموهبة لمجرد مناسبتهم للتأطيرات الهوياتية. لكن، أحياناً، يذهب تحميل الصوابية السياسية كل شرور العالم، إلى مداه الأقصى، ليُقال إن الصعود اليميني في الغرب ليس سوى رد فعل على سياسات الهوية التي جعلت الغالبية البيضاء، ومن الذكور تحديداً، تشعر بالتهديد.

ولا يعنينا هنا الاشتباك مع النقد الموجه للصوابية السياسية، بقدر ما يعنينا البحث عن مصدر التهديد الطاغي الذي يراه البعض فيها. فنظرة موجزة إلى خريطة العالم السياسية، من الولايات المتحدة والبرازيل، مروراً بروسيا فالهند، وصولاً إلى المجر والصين، تجعلنا لا نرى حملات قمعية يقوم بها أنصار الصوابية السياسية في الشوارع، بل سياسات علنية ومباشرة من السلطات المنتخبة لمعاداة الأقليات، وأحياناً تحريضاً رسمياً ضدهم وتبشيراً بنهاية أفكار التنوع والقبول به، وفوق هذا كله معسكرات جماعية للمهاجرين والأقليات الدينية، لا تعيد إلى الأذهان سوى ذكريات فظائع مرعبة ظن العالم أنه قد نسيها. وعلى المستوى الإقليمي، سيكون من باب الهزل أن يتصور أحد أن شوائب الصوابية السياسية يمكن أن تشكل تهديداً لأي شيء، في منطقة تمارس بعض دولها عمليات الإبادة العرقية، والمحاصصة الطائفية في السلطة، بكل أريحية، بينما تُنتهك النساء بشكل يومي في الشوارع، ولا يمتلك بعضهن أقل الحقوق الأساسية، وما زالت عقوبة الرجم أو السجن منصوصاً عليها جزاءً للمثلية الجنسية في كثير من دول المنطقة. أما النخب "القامعة للجماهير"، أي الجمعيات الحقوقية التي يقال إنها تفرض خطابها الهوياتي بكل وحشية، ففي بلد مثل مصر، اضطر معظم هذه الجمعيات إلى إغلاق أبوابه، أو ظل بعضها مفتوحاً مواربة لكنه مقيّد بأحكام المنع من السفر وتجميد الأموال والحبس الاحتياطي. ولا تبدو الأمور أفضل حالاً للمجتمع المدني في سوريا أو السعودية مثلاً، أو أي دولة عربية أخرى، ربما باستثناء تونس ولبنان.

لا يعني هذا كله أن سياسات الهوية والصوابية السياسية فوق النقد، أو أنها لا تتضمن إمكانات قمعية، لكن من الواضح أن التهديد الكاسح الذي يتصوره البعض فيها، وخصوصاً في المنطقة العربية، لا يتعدى كونه ضرباً من الهوس، أو مجرد رياضة عقلية ينخرط فيها أصاحبها، إما حباً بالنقد في المطلق، أو بغية الاشتراك في جدل يجرى في مكان آخر وسياقات أخرى مختلفة تماماً. فكما يُلام بعض مروجي قوالب الصوابية السياسية، على انفصالهم عن الواقع، فإن الخائفين من "قمعية" هذا الخطاب يبدون في حالة مضاعفة من الانفصال، ليس عن الواقع في المنطقة، بل إن فقاعتهم من الضيق بحيث تفصلهم حتى عما يحدث في الغرب.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب