آخر تحديث:09:55(بيروت)
الأحد 14/07/2019
share

عدمية كروية

محمد خير | الأحد 14/07/2019
شارك المقال :
عدمية كروية اللاعب أحمد حجازي إثر خسارة مصر أمام جنوب افريقيا في كأس الأمم الإفريقية (غيتي)

عادة، يشعر من لا خبرة له بكواليس الصحافة، بالصدمة، حين يعرف أن الصحافيين يجهزّون ملفات عن الشخصيات المعروفة، إذا ما تقدمت في السن أو أصيبت بالمرض، استعداداً لنشرها إذا توفي الشخص المعنيّ فجأة، أو الاحتفاظ بها إلى إشعار آخر، إلى موعد قد يتأخر لشهور أو سنوات، لكنه بالطبع، حتميّ الحصول في وقت ما. ربما يبدو الصحافيون، وهم يمسكون بالأرشيف في انتظار المحتوم، أشبه بملائكة الموت، لكنه دور حتميّ تفرضه طبيعة المهنة، وقبلها الحياة التي لا تعرف سوى حالين، حياة مؤقتة وموت دائم.

على النحو ذاته، وإن دونما اضطرار، وإزاء احتمالين لا ثالث لهما في عالم الرياضة التنافسية وهما الفوز أو الهزيمة، صوّر لاعبو المنتخب المصري لكرة القدم إعلانين تلفزيونيين متناقضين لصالح شركة كبرى. في أحد الإعلانين يزأر اللاعبون متوعدين الفرق الإفريقية المشاركة في بطولة الأمم بمصر، وفي الإعلان الآخر يعتذرون برؤوس منكسة عن الخروج مهزومين من البطولة. أذيع الإعلان الأول عبر الشاشات، وتسرّب الإعلان الثاني عبر الانترنت، وتحدثت مصادر عن إعلان ثالث حيث يحتفل اللاعبون بالفوز بالكأس، وكان مجهزاً للبث في حالة تحقيق البطولة! ومن نافل القول إن الإعلانين، أو الثلاثة، صوّرت قبل بدء البطولة نفسها، بل حتى قبل انضمام اللاعبين إلى معسكر الاستعداد. لقد بدأ اللاعبون استعداداتهم وقد عاشوا شعورياً، الاحتمالين، الفوز والخسارة، وتقاضوا مستحقاتهم عن كليهما من الشركة التي صوّرت الإعلان بجميع احتمالاته، احتمالات بدت متساوية للمستفيدين منها.


يعرّف قاموس أوكسفورد، "العدمية"، بأنها رفض المبادئ الأخلاقية، والاعتقاد بأن الحياة لا معنى لها. ومن هذا المفهوم، تنطلق استجابات شتى. فثمة من يتصدى لصناعة المعنى بنفسه، بعد المواجهة الشجاعة لحقيقة غيابه. وثمة من يتبنى براغماتية تامة، مستمتعاً بكل لحظة من وجوده على سطح الأرض. وثمة من يقنَع بتواضع إمكاناته إزاء عدمية الوجود، فيبتعد عن الصراعات والآمال الكبرى، منتهجاً براغماتية صغرى، إن صحّ التعبير. وإلى هذا النوع الأخير، ربما، ينتمي أعضاء الفريق الكروي المصري. إذ لم يعتقد أحد في قوة إمكاناتهم، باستثناء لاعبَين أو ثلاثة منهم، لكن الجميع آمن بقوة إرادتهم، أو بديهية رغبتهم في المنافسة على بطولة تقام في ملاعبهم وبين جمهورهم. غير أن اللاعبين، العارفين بإمكاناتهم أكثر من الجمهور، اختاروا "تجنب الصراعات الكبرى" إلى درجة الخروج من البطولة سريعاً جداً، أسرع مما حدث في أي بطولة استضافتها مصر عبر التاريخ. سرعة، منعت حتى الشركة التي صورت إعلان الاعتذار، من أن تبثه، خزياً من شكل الخروج، وتوقعاً لأن يأتي الإعلان بأثر عكسي، وهو ما حدث بالفعل حين سرّبه أحد "الخبثاء" فزاد الغضب اشتعالاً.

"حتى الاعتذار بفلوس"؟! كان ذلك التساؤل الجماهيري الأكثر انتشاراً وغضباً. لكن "الفلوس" التي تقاضاها اللاعبون ليعتذروا، قد تكون أقل عناصر الإعلان إثارة للعجب. ففي عالم الرياضيين المحترفين، لا شيء عفوياً، من ملابس البيت إلى صور السوشال ميديا، وصولاً إلى الصور "التلقائية" في السوشال ميديا، لقد كان الغضب لأن الاعتذار سابق التجهيز، كشف زيف اللعبة كلها. اللاعبون الذين تضع فوق أكتافهم همومك، وأحلامك بلحظات من الفرح، باعوك مسبقاً لصالح شركة مشروبات غازية، باعوك فائزاً أو خاسراً، لا يهم. أما دموعهم في الملعب، فلم تكن سوى استكمال للتمثيلية، تمهيداً للحلقة التالية.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد خير

محمد خير

صحافي وكاتب مصري

مقالات أخرى للكاتب