آخر تحديث:17:27(بيروت)
الإثنين 03/06/2019
share

بين إدلب ودمشق

مهند الحاج علي | الإثنين 03/06/2019
شارك المقال :
بين إدلب ودمشق
فجأة، أعادنا النظام السوري الى السنوات الأولى من عملياته العسكرية. عائلة بأسرها تُدفن تحت الرُكام. أم حامل وأطفالها. بعض المدفونين تحت الركام حي في رمقه الأخير. طفل يخرج من ركام منزله يتيماً لا يملك سوى غبار يُغطي جسده من حياة ولّت ولم يبق منها سوى الألم. إنها ”الأزمة“ السورية كما نعرفها، أي مذبحة متواصلة ولا رادع أو رقيب سوى كاميرات هواتف جوالة.

خلال أسابيع قليلة، سقط في القصف المتواصل على ادلب حوالى 180 قتيلاً ومئات الجرحى، غالبيتهم الساحقة من المدنيين، وفقاً لمصادر أممية.  19 مستشفى دُمر في القصف، بينها حضانة للأطفال الحديثي الولادة.  في لحظة نادرة، كان محقاً الرئيس الأميركي دونالد ترامب عندما سأل في تغريدة له عن مغزى القصف على إدلب. لن يُحقق القصف شيئاً، ولن يهزم هيئة تحرير الشام ولا الجيش الوطني ولا بقية الفصائل. لماذا تقصفون؟ هذا السؤال ربما يصح عسكرياً، سيما أن المنطقة اليوم خاضعة لتفاهمات اقليمية، ومن الصعب على النظام أن يدخلها دون تفاهم، وهذا جلي في نوعية الدعم العسكري التركي. لن تقبل أنقرة بثلاثة ملايين لاجئ جديد على أراضيها.

لكن مَن قال إن لقصف النظام السوري مناطق مدنية، أهدافاً عسكرية على الدوام؟ هل أنتجت البراميل الحارقة فوق حلب الانتصار العسكري فيها؟ الطيران الروسي والقدرات البرية للميليشيات الموالية لإيران، لعبا الدور الأساسي في تقدم النظام على هذه المحاور. لكن لماذا يقصف المنتصر بهذه الحدة؟

إجابة يتيمة على هذا السؤال. هذا القصف وهذه المشاهد العنيفة، تأديب جماعي لسُكان خارجين عن طاعة النظام السوري وسيطرته. ذاك أن العقد الجماعي بين الحاكم والمحكومين في سوريا، هو بين سيّد وعبد، يسقط حق الأخير في الحياة عند خروجه عن طاعة الأول، أو حتى حين يقع سهواً في دائرة الشبهة.

ولا مانع من دور إيراني أو روسي في تطبيق هذا العقد بإقتحام بري أو قصف جوي، وفرضه على السوريين لإعادتهم الى بيت الطاعة. طبعاً، يصير الحديث هنا عن إصلاحات وتعديلات دستورية، أضحوكة وكلاماً فارغاً. النظام اليوم بقصفه إدلب يُعيد التأكيد على سوريا التي يريد ويشتهي. ولا فارق هنا بين عمليات القصف المتواصلة من جهة، وبين التعذيب الجاري على قدم وساق في الداخل السوري من جهة ثانية. والتقارير الموثّقة لهذا التعذيب، تُظهر أن نطاقه على مستوى صناعي، وقد طال شريحة واسعة من السكان، ومنهم عشرات آلاف الضحايا.

والعملية السياسية هنا، وفق صيغة النظام وحلفائه، باتت جزءاً مكملاً من سياسة التعذيب والقتل الجماعي. من يعود الى حضن الوطن يخضع لهذا العقد مجدداً، أي أن فعل الإعادة يُوسّع دائرة خضوع السوريين لهذه الممارسات. مقاتلو الفصائل ممن تصالحوا مع النظام يُعدمون على الجبهات أو يُزج بهم في السجون وأقبية التعذيب. وأي معارض يُقرر العودة والتملّق للنظام، سيُواجه المصير ذاته بعد حين.

بين إدلب المحترقة اليوم، وبين أقبية التعذيب في حلب ودمشق، سياسة واحدة لن يحيد عنها هذا النظام، صُمم لتطبيقها على معتقل جائع ومُكبل في زنزانة، أو جواً ضد مدنيين عُزل. سياسة وحشية ستلازمنا ما دامت هذه العائلة قابعة في قصر المهاجرين.   


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب