آخر تحديث:00:18(بيروت)
الثلاثاء 04/06/2019
share

السودان: ما بعد المذبحة

شادي لويس | الثلاثاء 04/06/2019
شارك المقال :
السودان: ما بعد المذبحة بعد فض بالقوة للاعتصام الذي دام سبعة أسابيع أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم (غيتي)
قبل يوم واحد من الذكرى الثلاثين لمذبحة ميدان السلام السماوي في بكين، أقدم المجلس العسكري المؤقت في السودان على فض اعتصام القيادة باستخدام القوة القاتلة، مخلّفاً قتلى وجرحى بين المتظاهرين السلميين. كانت تلك المصادفة في التوقيت غير مقصودة بالطبع، لكن الدلالة العارضة فيها تذكّرنا بروابط ضمنية بين ميادين بكين والخرطوم والقاهرة وطرابلس الغرب وغيرها من المدن الغاضبة. 


يعرف السودانيون اليوم ما لم نعرفه نحن في القاهرة قبل أعوام، أن اعتصامات الساحات وحدها، مهما طالت، ومهما بلغ زخمها، لا تحسم صراع على السلطة. ويعرفون كذلك إن فضها باكراً وطواعية لا يضمن إمكانية الرجوع إليها لاحقاً. تفاوضت قوى إعلان الحرية والتغيير، مع المجلس العسكري، بناء على قناعة بأن العسكر في حاجة إلى اتفاق أيضاً، وأن الوقت ليس في صالحها. فالمهلة التي منحها الاتحاد الإفريقي لتسليم السلطة لإدارة مدنية - وتم تمديدها بوساطة من مصر- على وشك النفاد. واستمرار الاضطرابات في الشوارع يهدد تماسك السلطة العسكرية داخلياً. التململ في وحدات الجيش نفسها لا يمكن استبعاده، وكذلك انقلاب داخلي ثالث.

وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، وصعّدت قوى التغيير احتجاجاتها، بالإضراب والتهديد بالعصيان المدني، لكن قادة المجلس العسكري العائدين من زيارات للقاهرة والرياض، اختاروا وقفة العيد لتنفيذ مجزرتهم. قبل 13 عاماً، في القاهرة، وفي ميدان مصطفي محمود تحديداً، اختارت الداخلية المصرية ليلة رأس السنة، لفض اعتصام اللاجئين السلمي، بالقوة المفرطة، وقتلت عشرات الأبرياء، والجمهور مشغول في احتفالاته. التكتيك نفسه، والتوقيت والوسائل. من ميدان السلام السماوي، مروراً بمصطفى محمود، تبقى الرسالة واضحة وبسيطة ومؤلمة، في مواجهة بين سلطة لا تخشى العواقب أو الحساب، وبين اعتصام سلمي، المذبحة محققة وأكيدة، لا نتائج أخرى.

يظل السؤال هنا عما سيحدث بعد الفض. فالاعتصام كان، كأي اعتصام آخر، هشاً ويقامر بهشاشته ويفاوض عليها، فهي ورقته الوحيدة. لا صدمة ولا هزيمة في أن يفض جنود مدججون بالسلاح، اعتصاماً سلمياً، ولا بطولة بالضرورة في الصمود وراء متاريس تخترقها طلقات البنادق، وأمام سلطة مجرمة لا تخشى الحساب. أعلن المتحدث باسم المجلس العسكري، بأنه لم يقصد ولم ينوِ فض الاعتصام، لكن الأمر كان مجرد تطهير لبؤرة إجرامية خارج الاعتصام أو على حدوده. وعلى ما في تلك التصريحات من استهانة بالجُرم الذي ارتكبته قوات التدخل السريع، فإن الأمر أثار بلبلة ليست بالقليلة بين المحتجين والمؤيدين لهم. فهل منطقة كولومبيا تقع في حدود الاعتصام أم لا؟ وهل بعض من فيها كانوا مسلحين حقاً؟ تفتح تلك التساؤلات شرخاً إضافياً في الحراك، بتقسيم المجال العام إلى نطاقات محمية وأخرى مهدرة ومباحة للقتل، وتقسيم المواطنين إلى أقسام بعضها رفعت عنه الحماية وحُرمة الدم. ويقود القبول بذلك المنطق إلى دفع النقاش إلى مجادلات ضحلة عن الخطوط المحددة للاعتصامات وزحزحتها يميناً ويساراً.

اتخذت قوى إعلان التغيير، القرار الصحيح، بإدانة المجلس العسكري بأقوى لغة ممكنة، وبالدعوة إلى العصيان العام. لكن ردود الأفعال من المؤيدين للاحتجاجات، لم تخلُ من علامات توتر. فالبعض رأى أن القرار جاء متأخرا جداً، وأن الحوار مع العسكر كان خطأ منذ البداية، بل وحمّل البعض قوى التغيير مسؤولية مشتركة في دم القتلى. وفي الطرف الآخر من قوى الاحتجاجات، رأى البعض أن بيان قوى التغيير جاء متشدداً أكثر من اللازم وأغلق أي فرصة مستقبلية للحوار أو للتوصل إلى حل غير صِدامي. 

في الخلفية، سرت شائعات عن انشقاقات بين وحدات الجيش، وعن مشاركة جنود مصريين في عمليات الفض، وغيرها عن انقلابات داخلية. وفي خضم هذا كله، بدا واضحاً أن فض الاعتصام أو صموده، ليس المعضلة، بل ما يجري بعده وخارجه، وقدرة قادة الاحتجاج على التصعيد، وإدارة عصيان مدني واسع وطويل وموحد قدر الإمكان، ومَرِن في الوقت ذاته. ويظل هذا كله متعلقاً بالمدى الذي سيذهب إليه المجلس العسكري في استباحة القتل، وهو للأسف مدى لا يبدو أفقه قريباً في أي حال.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها