آخر تحديث:00:21(بيروت)
الأحد 23/06/2019
share

هل تهدر ايران فرصة الحوار؟

حسن فحص | الأحد 23/06/2019
شارك المقال :
هل تهدر ايران فرصة الحوار؟
في ايار/ مايو العام 1982 حققت ايران انجازا عسكريا مفصليا في الحرب التي كانت قائمة بينها وبين النظام العراقي برئاسة صدام حسين، تمثل في استعادة مدينة المحمرة (خرمشهر). عندها سارع الرئيس العراقي لاعلان استعداده للتفاوض وصولا الى وقف الحرب والانسحاب، ولم تكن المملكة العربية السعودية بقيادة الراحل الملك فهد بن عبدالعزيز بعيدة عن هذا التطور ودفعت باتجاه وقف الحرب وإقامة السلام بين البلدين وانهاء هذه الحرب، حسب ما جاء في مذكرات الرئيس الايراني الراحل هاشمي رفسنجاني. الا ان موقف زعيم الثورة آية الله روح الله الخميني الرافض لوقف اطلاق النار والمتمسك باستمرارها حتى اسقاط النظام في بغداد لم يسمح للاصوات الايرانية الداعية لوقف الحرب بان تضغط باتجاه انهاء الحرب، ما ادى الى استمرارها حتى العام 1988 واجبرت القيادة الايرانية على تجرع كأس السم والموافقة على قرار مجلس الامن الدولي الرقم 598، حسب تعبير الخميني، وخسرت بذلك كل الامتيازات التي سبق ان عرضتها السعودية والمجتمع الدولي العام 82 ، وانتهت الحرب من دون شروط ولم تستطع ايران حتى الحصول على قرار واضح حول الجهة المسؤولة عن إشعال الحرب وما يعنيه من تعويضات قد تحصل عليها.

قبل نهاية الحرب العراقية الايرانية، شهدت منطقة مياه خليج عمان، وفي المنطقة نفسها التي شهدت قبل أيام اسقاط ايران لطائرة التجسس الاميركية من دون طيار،  تصعيدا غير مسبوق، فقد قامت القوات البحرية الاميركية حينها بإسقاط طائرة مدنية من نوع ايرباص تحمل على متنها 290 شخصا، فكانت الحادثة تحذيرا لطهران بانتهاء الفرصة الدولية امامها وعليها القبول بوقف الحرب، وهي الرسالة التي فهمتها القيادة الايرانية واتخذت قرارها بناء على التطورات والمستجدات العسكرية الجديدة.

ما من شك ان الاجراء الطبيعي الذي من المفترض على ايران اتخاذه بعد اتهامها بالوقوف وراء استهداف ناقلات النفط في مياه خليج عمان في الثالث عشر من شهر يونيو/ حزيران 2019، ان تعمد الى رفع مستوى جهوزية قواتها المسلحة الصاروخية والبحرية والبرية. خصوصا وان الاجراء الاميركي الذي تلى عملية استهداف الناقلات كان بتوجيه الاتهام المباشر لطهران، الى جانب تعزيز الوجود العسكري وارسال المزيد من القوات والمعدات الى هذه المنطقة بالتزامن مع دخول حاملة الطائرات "يو اس اس ميسن" الى مياه خليج عمان، ما يعني ان هذه القوات قد اتخذت تشكيلا حربيا استعدادا لبدء عملية عسكرية قد تكون واسعة او محدودة وتكتيكية ضد اهداف محددة داخل ايران.

المعلومات تشير الى ان القوات الصاروخية الايرانية وضعت في حالة استنفار قصوى بعد حادثة خليج عمان، استعدادا لمواجهة ضربة اميركية مفاجئة قد تتعرض لها، وان "غرفة عمليات صاروخية" خاصة قد تشكلت في طهران من اجل هذا الهدف، وهي التي وضعت القطاعات العسكرية الايرانية في حالة تأهب قصوى وتم توجيه الصواريخ الباليستية بمختلف مدياتها نحو اهداف اميركية وغير اميركية في الدول العربية الخليجية تتولى غرفة العمليات هذه تحديدها، الى جانب استنفار القوة الصاروخية البحرية لاستهداف القطع البحرية الاميركية. ووضعت وحدات الصواريخ الجوية في حالة استعداد للتصدي لاي اختراق جوي قد تقوم به الطائرات الاميركية. وهذا ما يفسر السرعة في استهداف الطائرة الاميركية المسيرة في النقطة صفر بين الاجواء الايرانية والاجواء الدولية، على اختلاف الرواية بين طهران وواشنطن. اي ان طهران كانت تدرك انها دخلت في مرحلة متقدمة من المواجهة مع واشنطن وان التصعيد وارتفاع منسوب التوتر قد يؤدي الى حدوث مواجهة محدودة او موسعة، وان عليها الاستعداد لتلقي الصدمة الاولى.

قد تختلف التقديرات حول موقف الرئيس الاميركي الذي قرر استيعاب العمل الايراني باسقاط احدى طائرات التجسس الاستراتيجية في ترسانته العسكرية، وان لا يذهب الى توجيه ضربة محدودة بذرائع مختلفة تثير ايضا الكثير من علامات الاستفهام. الا ان الواضح هو ان ترمب لا يريد الذهاب الى مواجهة تخرج من دائرة الضربة التكتيكية او الجراحية الى حرب مفتوحة، وذلك انسجاما مع عقيدته بعدم الرغبة في الدخول في حروب خارج الولايات المتحدة الاميركية. ولا يمكن انطلاقا من هذه الرؤية اعتبار ما حصل في عدم الرد العسكري بمثابة هزيمة لواشنطن في مقابل نصر حققته طهران، وهو أمر لا تدعيه الاخيرة، بل وضعته في اطار الدفاع المستميت عن حدودها وسيادتها حسب تعبير المتحدث باسم الخارجية عباس موسوي. الا انه يدفع الادارة الاميركية الى اعادة حسابات الحرب التي قد لا تكون سهلة وسريعة، وبالتالي فان اللجوء الى خطوة الى الوراء من اجل تلافيها في هذه المرحلة الدقيقة داخليا ودوليا افضل من الدخول في نفقها المظلم والطويل.

التحرك الدولي السريع لاستيعاب الحادثة والضغط من اجل استبعاد خيار الحرب، قد يشكل مدخلاً جدياً امام القيادة الايرانية من اجل النزول عن سلم الموقف المتصلب برفض التفاوض، والعمل من اجل ايجاد مخرج للمسار الذي رسمه المرشد الاعلى للنظام في اطار رؤيته الاستراتيجية لما يجري مع واشنطن بتأكيده على مبدأ "لا حرب ولا تفاوض". من خلال تحويل ما حدث الى نقطة انطلاق نحو الدخول في مرحلة جديدة من التفاوض، لا الاستمرار في اعتماد الموقف الحالي قد لا يكون مثالياً لتأمين المصالح الايرانية، وان الرسالة التي أوصلتها طهران باسقاط هذه الطائرة والموقف الدقيق الذي وضعت فيه الادارة الاميركية، قد وفر لطهران اوراقاً تعزز امكانية الجلوس الى طاولة المفاوضات، وان هذه المرحلة تختلف عما سبقها، لان قبول ايران بالتفاوض قبل اسقاط الطائرة قد يفسر بانه جاء نتيجة للضغوط الاقتصادية وتأثير العقوبات الاميركية عليها، وبالتالي فان الفرصة تبدو سانحة للقيادة الايرانية للذهاب الى مفاوضات مع واشنطن، تساهم في تخفيف التوتر وتمنع الوصول الى طريق مسدود قد يجبر واشنطن على اللجوء الى الخيار الاسوأ، بل تسمح لها بالتخفيف من حدة العقوبات او التوصل الى تسوية تعمد فيها واشنطن الى تضييق دائرة العقوبات وحصرها بالمستوى الاميركي، وبالتالي تفتح الطريق امام الطرفين للتفاهم على تخفيف التوتر بينهما وبحث جميع الملفات المختلف حولها وصولا الى ملف الاستثمارات الاميركية في ايران ولاحقا العلاقات الثنائية بينهما.




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها